سباق التسلح بالطائرات المسيرة: البنتاجون يعيد تعريف قواعد الاشتباك
خطط أميركية لنشر مئات الآلاف من الطائرات الهجومية الصغيرة بحلول 2028، في تحول استراتيجي يعكس دروس الحروب الحديثة.

في خطوة تعكس تحولاً جذرياً في الفكر العسكري، وجهت وزارة الدفاع الأميركية طلباً لصناعاتها الدفاعية لتوفير ما يزيد عن 300 ألف طائرة مسيرة هجومية. هذا الطلب ليس مجرد صفقة تسليح تقليدية، بل هو إعلان عن تبني عقيدة قتالية جديدة تعتمد على الأسراب منخفضة التكلفة، وهو توجه استراتيجي يستلهم بشكل مباشر من تكتيكات ساحات القتال المعاصرة التي أثبتت أن الكمية تمتلك جودة خاصة بها.
مواصفات لجيل جديد من الأسلحة
حددت الوزارة مواصفات دقيقة لهذه الأنظمة. يجب أن تكون الطائرات صغيرة، وقادرة على حمل حمولة متفجرة لا تقل عن 4.4 رطل. الأهم من ذلك، هو شرط أن يتمكن المشغلون من إتقان استخدامها خلال ساعتين فقط، مما يشير إلى نية لنشرها على نطاق واسع بين الوحدات القتالية، وليس حصرها في أيدي النخبة من المتخصصين. يتوافق هذا الوصف مع ما يُعرف بالطائرات المسيرة من منظور الشخص الأول (FPV)، والتي أثبتت فاعلية تكتيكية هائلة في ساحات القتال الحديثة، كما وثقت تقارير متخصصة في موقع Defense News. إن القدرة على تنفيذ ضربات دقيقة في بيئات حضرية ومفتوحة على حد سواء تمنح القوات البرية قدرات كانت في السابق حكراً على سلاح الجو.
عقيدة قتالية تتشكل
أوضح وزير الدفاع بيت هيجسيث المنطق الاقتصادي والاستراتيجي وراء هذا التوجه. صرح قائلاً: “لا يمكننا تحمل تكاليف إسقاط طائرات مسيرة رخيصة بصواريخ تبلغ قيمتها 2 مليون دولار”. هذه الجملة تلخص المعضلة التي تواجه الجيوش الحديثة، حيث أصبح التفوق التكنولوجي باهظ التكلفة وغير مستدام في مواجهة تهديدات غير متكافئة. تهدف العملية، التي أُطلق عليها اسم “القفازات” (Gauntlet)، إلى تسليم عشرات الآلاف من هذه الطائرات بحلول عام 2026، ومئات الآلاف بحلول 2027. يمثل هذا القرار اعترافًا صريحًا بأن التفوق العسكري المستقبلي قد لا يعتمد على المنصات الأكثر تطوراً، بل على القدرة على إغراق الخصم بعدد هائل من الأنظمة الذكية والفعالة من حيث التكلفة.
إطار سياسي وتنفيذي متسارع
لم يأتِ هذا التحرك من فراغ، بل يستند إلى سلسلة من التوجيهات السياسية والعسكرية. جاء الطلب في أعقاب أمر تنفيذي أصدره الرئيس دونالد ترمب في يونيو الماضي، يهدف إلى توسيع القاعدة الصناعية الأميركية للطائرات المسيرة. تبع ذلك مذكرة من وزير الدفاع في يوليو، تحث على تسريع دمج هذه التقنيات في جميع أفرع القوات المسلحة. وتتجسد هذه الرؤية في إجراءات عملية، حيث شكلت القيادة المركزية الأميركية فريق عمل لتسريع تسليم الطائرات المسيرة للوحدات الميدانية، بينما أنشأت القيادة الشمالية للجيش فريق استجابة سريعة لمواجهة تهديدات الطائرات المسيرة للمنشآت الحيوية داخل الولايات المتحدة، مما يوضح أن هذا التحول لا يقتصر على ساحات القتال الخارجية بل يمتد ليشمل الأمن الداخلي أيضاً.









