عرب وعالم

رسائل البابا ليو الرابع عشر في أسبوع الآلام: نقد السلطة ورفض الحرب

البابا الأمريكي يؤكد على التواضع ويرفض استخدام الدين لتبرير العنف والسيطرة

صحفية أخبار في قسم عرب وعالم، بمنصة النيل نيوز تعمل على متابعة الملفات الإقليمية والدولية

تتوهج صليباً ثقيلاً بين يدي البابا ليو الرابع عشر، مشهدٌ لم يشهده الكولوسيوم الروماني منذ عقدين، ليس مجرد تقليدٍ يعود، بل إشارةٌ واضحةٌ على أنَّ آلام المسيح ما زالت حاضرةً في عالمٍ يرزح تحت وطأة الصراعات. ففي أول احتفالاته بأهم الأعياد المسيحية، رسم البابا الأمريكي ملامح أسلوبٍ رصينٍ وخفيضِ الصوت، متجنباً التسميات المباشرة للنزاعات أو القادة، لكنَّ رسائله جاءت مشبعةً بالرمزية. تكررت في خطبه دعواتٌ للتضامن مع المضطهدين، وتحذيراتٌ من التلاعب بالسلطة، وتشديدٌ على جوهر السلام والأخوة الإنسانية، كأنما كل خطوةٍ يحمل فيها الصليب هي نداءٌ صامتٌ للعالم.

في عظة أحد الشعانين، التي تفتتح احتفالات الأسبوع المقدس، كان للبابا تحذيرٌ صريحٌ من استغلال الإيمان. قال بوضوح: “الله يرفض الحرب، لا يمكن لأحدٍ استخدامه لتبرير المواجهة، فهو لا يسمع صلوات من يشنون الحروب بل ينبذها.” كلماته لم تترك مجالًا للالتباس حول موقفه من ربط الدين بالنزاعات.

ولم تمضِ أيامٌ قليلة حتى عاد ليو الرابع عشر ليشدد على هذا المفهوم في قداس ليلة خميس العهد، الذي أقيم بكاتدرائية القديس يوحنا اللاتراني. مستشهداً بكلماتٍ للبابا بندكت السادس عشر، انتقد فكرة أننا “دائماً ما نميل للبحث عن إلهٍ ’يخدمنا‘، يجعلنا نفوز، يكون مفيداً كالمال والسلطة. لكننا لا ندرك أن الله، في الواقع، يخدمنا، نعم، ولكن بفعل غسل الأقدام المجاني والمتواضع.” وكأنه يقول إن الخدمة الحقيقية تكمن في التواضع، لا في التسلط.

في ذات العظة، أدان البابا الأمريكي وجود ‘إنسانيةٍ جاثيةٍ على ركبتيها بسبب أمثلةٍ عديدةٍ من الوحشية’. وقبل أن يباشر غسل أقدام اثني عشر كاهناً، وهو تقليدٌ يرمز لتواضع يسوع في العشاء الأخير، دعا إلى التأمل في كيفية ممارسة السلطة. أوضح البابا أنَّ “يسوع لا يطهرنا فقط من الأصنام والتجديف الذي لوث صورتنا عن الله، بل يطهر أيضاً صورتنا عن الإنسان، الذي يرى نفسه قوياً عندما يسيطر، ويريد الانتصار بقتل من هو مثله، ويعتبر نفسه عظيماً عندما يُهاب.” وهنا تكمن إشارةٌ واضحةٌ إلى خطورة النرجسية المتجذرة في بعض أشكال الحكم.

البعض رأى في مقاطع من عظات ليو الرابع عشر، تلك المخصصة للتحذير من غطرسة الأقوياء ومن استخدام الإيمان لأغراض شخصية، نقداً خفياً لبعض الأحداث الراهنة. تذكر البعض، على سبيل المثال، صلاة قساوسة إنجيليين مؤخراً لدونالد ترامب في مكتبه البيضاوي بالبيت الأبيض، حيث ارتبط الدين بالسياسة علانيةً، في مشهدٍ أثار جدلاً واسعاً حول حدود التداخل بين السلطتين.

وفي مساء الجمعة العظيمة، يترأس ليو الرابع عشر أول مسيرة درب الصليب في الكولوسيوم بروما، الذي يحمل رمزيةً تاريخيةً عميقةً لاضطهاد المسيحيين الأوائل. هذا الحدث، ذو الأهمية الروحية الكبيرة للمؤمنين، سيركز هذه المرة على تأملاتٍ كتبها راهبٌ من الأراضي المقدسة، تحمل في طياتها تحذيراتٍ للعالم من ويلات الحرب، وتجاوزات السلطة، وتحدياتٍ أخرى لا تقل خطورة.

الأمر الجديد هذا العام، أن البابا، الذي يوشك على إكمال عامه الأول في الحبرية، سيحمل الصليب بنفسه، ليصغي إلى التأملات التي صاغها لهذه المناسبة الراهب فرانشيسكو باتون، الذي شغل منصب حارس الأراضي المقدسة حتى يونيو الماضي، وهي منطقةٌ تعصف بها حالياً موجةٌ جديدةٌ من العنف. هذه التفصيلة ليست مجرد لفتة، بل تحمل دلالاتٍ أعمق في ظل الظروف الراهنة.

تعد هذه المرة الأولى منذ عشرين عاماً التي يحمل فيها بابا الصليب خلال درب الصليب في الكولوسيوم الروماني. كان البابا يوحنا بولس الثاني أول من تبنى هذه الممارسة، قبل أن يتوقف عنها عام 1994. وقد أوضح ليو الرابع عشر بنفسه قراره استئناف هذا التقليد كـ ‘إشارةٍ مهمة’: “إنها تمثل ما هو البابا اليوم في العالم كقائدٍ روحي، لكي يقول إن المسيح ما زال يعاني، وأنا أيضاً أحمل كل هذه المعاناة في صلاتي.”

ومرةً أخرى، ودون تسمية دولٍ أو حالاتٍ بعينها، سيكون النص الذي سيُقرأ في الكولوسيوم، والذي وافق عليه البابا، بمثابة تحذيرٍ للعالم المعاصر ضد الطغيان والحرب، مؤكداً على أنَّ الرسالة عالميةٌ لا تستثني أحداً.

ضمن ما جاء في النص، صرخاتٌ ضد تجاوزات السلطة السياسية. وبالإشارة إلى القصة الإنجيلية لحوار يسوع مع الحاكم الروماني بيلاطس البنطي، ينتقد النص كيف ‘يعتقد البعض اليوم أنهم حصلوا على سلطةٍ بلا حدود ويظنون أن بإمكانهم استخدامها وإساءة استخدامها كما يحلو لهم’. ويشدد على أنَّ ‘كل سلطةٍ ستحاسب أمام الله على طريقة ممارسة القوة التي حصلت عليها: قوة الحكم، وأيضاً قوة بدء الحرب أو إنهائها؛ قوة تعليم العنف أو السلام؛ قوة تغذية الرغبة في الانتقام أو المصالحة؛ قوة استخدام الاقتصاد لقمع الشعوب أو لتحريرها من البؤس’.

وتتضمن المحطات الأربع عشرة لدرب الصليب، التي تمثل لحظاتٍ مفتاحيةً في مسيرة يسوع نحو الصلب والموت، صلاةً حاضرةً فيها ضحايا الحروب والمذابح و’الإبادات الجماعية’: الأيتام، والمهاجرون، والنازحون، وضحايا ‘التعذيب’. وهي قائمةٌ مؤلمةٌ تعكس واقعاً مريراً لا يزال يطارد الإنسانية.

مقالات ذات صلة