خطة مصر المائية: كيف تحول الدولة كل قطرة ماء لمشروع قومي بأمر السيسي؟

في قلب التحديات المائية التي تواجه المنطقة، تخوض مصر معركة حاسمة لضمان الأمن المائي المصري للأجيال الحالية والقادمة. فبتوجيهات مباشرة من الرئيس عبد الفتاح السيسي، انطلقت خطة وطنية طموحة لإعادة رسم خريطة الموارد المائية، وتحويل كل قطرة ماء إلى قصة نجاح وتنمية مستدامة، وهي المهمة التي تقع على عاتق وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية.
هذه الجهود لم تعد مجرد رد فعل على أزمة، بل تحولت إلى استراتيجية استباقية متكاملة تهدف إلى تعظيم الاستفادة من كل الموارد المتاحة. وأكد المهندس شريف الشربيني، وزير الإسكان، أن هذا الملف يحظى بأولوية قصوى لدى القيادة السياسية، مشيراً إلى أن الدولة تعمل منذ عام 2014 على تنفيذ رؤية شاملة تضمن الاستخدام الأمثل للمياه وتوفير مصادر غير تقليدية لتلبية الاحتياجات المتزايدة.
ثورة في تحلية مياه البحر.. أرقام قياسية ومستقبل واعد
شهد قطاع تحلية مياه البحر طفرة غير مسبوقة، حيث تحولت مصر من لاعب محدود في هذا المجال إلى قوة إقليمية صاعدة. وأوضح الشربيني أن الطاقة الإنتاجية قفزت من 84 ألف متر مكعب يومياً فقط في عام 2014، لتصل اليوم إلى ما يقرب من 1.42 مليون متر مكعب يومياً، وهو رقم تحقق بفضل تشغيل 126 محطة تحلية موزعة على المحافظات الساحلية مثل شمال وجنوب سيناء، البحر الأحمر، مطروح، والإسماعيلية.
ولا تتوقف الطموحات عند هذا الحد، فالعمل يجري على قدم وساق لإنشاء 11 محطة جديدة ستضيف 310 آلاف متر مكعب يومياً، ليرتفع الإجمالي إلى 1.73 مليون متر مكعب يومياً. وتستهدف الخطة الاستراتيجية طويلة الأمد الوصول إلى طاقة إنتاجية هائلة تبلغ 9.8 مليون متر مكعب يومياً بحلول عام 2050، مما يضمن تأمين مياه الشرب للمجتمعات العمرانية الجديدة والمناطق الساحلية بشكل كامل.
معالجة مياه الصرف.. من عبء بيئي إلى مورد استراتيجي
لم تقتصر الخطة على إيجاد مصادر مياه جديدة، بل امتدت لتعظيم الاستفادة من الموارد القائمة. وفي هذا الإطار، أولت الدولة اهتماماً كبيراً بمشروعات معالجة مياه الصرف الصحي، حيث تم الانتهاء من تنفيذ 612 محطة معالجة ثنائية وثلاثية بطاقة تصميمية تصل إلى 18.9 مليون متر مكعب يومياً. ويجري حالياً تنفيذ 183 محطة إضافية، مع التخطيط لـ 127 محطة أخرى حتى عام 2030.
هذه الشبكة الضخمة من المحطات، التي ستصل إلى 922 محطة بطاقة إجمالية 27.1 مليون متر مكعب يومياً، لا تهدف فقط إلى حماية البيئة من التلوث، بل تساهم في توفير مياه معالجة عالية الجودة يمكن استخدامها في ري المسطحات الخضراء وزراعة المحاصيل الشجرية، مما يخفف الضغط على مياه النيل ويدعم خطط التوسع الزراعي.
مشروعات عملاقة لإعادة تدوير مياه المصارف
تُعد الاستفادة من مياه المصارف الزراعية أحد أهم محاور الخطة القومية للمياه. وفي هذا الصدد، نفذت مصر ثلاثة من أضخم المشروعات على مستوى العالم، وهي محطات معالجة مياه مصرف بحر البقر، ومصرف المحسمة، ومشروع الدلتا الجديدة. هذه المشروعات العملاقة توفر مجتمعة نحو 14.1 مليون متر مكعب يومياً من المياه المعالجة، تساهم في زراعة ما يقرب من 1.8 مليون فدان، مع خطط لزيادة هذه الكمية إلى 41.2 مليون متر مكعب يومياً مستقبلاً.
الحرب على الفاقد.. كل قطرة لها قيمة
كان محور ترشيد استهلاك المياه وتقليل الفاقد جزءاً لا يتجزأ من الاستراتيجية. وأشار الوزير إلى أن نسبة الفاقد في شبكات مياه الشرب انخفضت من 30.5% عام 2014 إلى 25.7% حالياً، مع استهداف الوصول بها إلى 20% بحلول 2030. وقد تحقق ذلك من خلال خطة محكمة شملت تركيب 5 ملايين قطعة موفرة للمياه، والتوسع في استخدام العدادات الذكية ومسبقة الدفع التي تغطي أكثر من 20.4 مليون مشترك.
بالإضافة إلى ذلك، أطلقت الوزارة حملات توعية قومية مكثفة لرفع وعي المواطنين بأهمية الحفاظ على المياه، شملت آلاف الأنشطة المباشرة وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، بمشاركة جهات حكومية ومجتمعية مختلفة، لخلق ثقافة مجتمعية داعمة لجهود الدولة في هذا الملف الحيوي.
التصنيع المحلي ودعم الكوادر البشرية
لم تغفل الخطة أهمية توطين التكنولوجيا ودعم الصناعة المحلية، حيث بلغت نسبة المكون المحلي في التعاقدات والتوريدات للمعدات الكهروميكانيكية نحو 66%، بقيمة 28.3 مليار جنيه. كما تم التركيز على رفع كفاءة العاملين بالقطاع، من خلال مراكز تدريب متخصصة ومدارس فنية تخرج كوادر مؤهلة للتعامل مع أحدث تقنيات التشغيل والصيانة، مما يضمن استدامة هذه المشروعات الضخمة.
واختتم الوزير تأكيده على أن هذه المنظومة المتكاملة، التي تشمل أيضاً مراقبة دقيقة لجودة المياه عبر شبكة من المعامل المركزية والمتنقلة، تأتي تنفيذاً لرؤية القيادة السياسية لضمان مستقبل آمن ومستدام للموارد المائية في مصر، بما يخدم خطط التنمية الشاملة ويؤمن حقوق الأجيال القادمة.









