خطة أمريكية لخنق كوبا بالطاقة: حصار بحري ومالي يلوح في الأفق
واشنطن تستهدف إمدادات الوقود الكوبية لفرض تنازلات سياسية، وسط تحذيرات من تصعيد إقليمي وموجات هجرة.

خطة أمريكية لخنق كوبا بالطاقة: حصار بحري ومالي يلوح في الأفق
تتداول أروقة البيت الأبيض مسودة خطة شاملة تستهدف فرض حصار بحري ومالي على أي شحنات نفط أو وقود متجهة إلى كوبا. وتتضمن الخطة تنسيقاً وثيقاً بين البنتاغون ووزارتي الخارجية والخزانة الأمريكية. تقوم الاستراتيجية على منطق بسيط وفعال: إذا كانت الطاقة هي “نقطة خنق” النظام الكوبي، كما يؤكد مستشارو الرئيس ترامب، فإن قطع الإمدادات يمثل أسرع السبل لانتزاع تنازلات سياسية جوهرية أو حتى إحداث انهيار داخلي.
تتجاوز هذه المقترحات ما أُعلن عنه الأسبوع الماضي، حين أمر الرئيس ترامب بوقف شحنات النفط الفنزويلي إلى كوبا، التي كانت تاريخياً المصدر الرئيسي للنفط المدعوم للجزيرة. الحزمة الجديدة من الإجراءات ستعني ملاحقة أي شحنة متجهة إلى الموانئ الكوبية، بغض النظر عن علم السفينة أو بلد المنشأ، مستندة إلى الإطار القانوني للحصار القائم وعقوبات ثانوية جديدة تستهدف شركات الشحن والتأمين.
يكشف هذا التحرك عن تصعيد نوعي في السياسة الأمريكية؛ فالأمر لم يعد يقتصر على مجرد معاقبة النظام، بل يتجه نحو استخدام النفط كرافعة مباشرة لإعادة تشكيل المشهد السياسي في منطقة الكاريبي. داخل الإدارة الأمريكية، يرى المتشددون أن عام 2026 يمثل “نافذة فريدة” بعد السيطرة على الموارد الفنزويلية. في المقابل، يحذر أصحاب الرؤى الأكثر براغماتية من مخاطر الاصطدام مع الشركاء الرئيسيين وتصاعد موجات الهجرة نحو الولايات المتحدة.
كوبا: اقتصاد رهين الوقود المستورد
تستند استراتيجية البيت الأبيض إلى حقيقة هيكلية؛ فكوبا تستورد ما يقرب من 60% إلى 70% من استهلاكها للوقود، وفقاً لتقديرات منظمات الطاقة الدولية. يخصص جزء كبير من هذه الواردات لتوليد الكهرباء والنقل والخدمات الأساسية. تنتج الجزيرة بالكاد نفطاً خاماً ثقيلاً منخفض الجودة، وهو غير كافٍ لدعم نظامها الكهربائي وشبكة مصافيها.
خلال العقد الماضي، سعت هافانا لتنويع مصادرها في مواجهة الانهيار الاقتصادي في فنزويلا، لكن بنجاح محدود. فمن نحو 90 ألف إلى 100 ألف برميل يومياً كانت كوبا تتلقاها من كاراكاس في سنوات الازدهار، لا يصلها اليوم سوى حوالي الثلث، بحسب تقديرات السوق. وتأتي الكميات المتبقية من اتفاقيات محددة مع دول مثل المكسيك ومن مشتريات السوق الفورية، وهي دائماً مشروطة بالعقوبات الأمريكية وقدرة الدولة الكوبية، التي تعاني من سيولة مزمنة، على الدفع.
التشخيص واضح لا لبس فيه: كل سفينة تتوقف عن الرسو في موانئ مثل ماتانزاس أو سينفويغوس، تُحدث تأثيراً فورياً على انقطاع التيار الكهربائي والنقل العام والإمدادات. فمنذ أواخر عام 2025، أصبحت انقطاعات الكهرباء التي تتجاوز ثماني ساعات أمراً معتاداً في بعض المقاطعات، بينما يؤدي تقنين الوقود إلى شل جزء من النقل بين المدن ويفرض أولوية على المستشفيات والخدمات الحيوية. ولن يؤدي الحصار الشامل إلى تفاقم هذا الوضع إلى أقصى حد فحسب، بل قد يعيد البلاد إلى سيناريو مشابه لـ “الفترة الخاصة” في التسعينيات.
من كاراكاس إلى هافانا: هندسة الحصار الجديدة
لا يمكن فهم الخطة المتعلقة بكوبا بمعزل عن الهجوم الأمريكي السابق على فنزويلا. فقد سمحت العملية العسكرية والمالية التي أطلقتها واشنطن أواخر عام 2025، والتي أُطلق عليها اسم “عملية الرمح الجنوبي” (Operation Southern Spear)، للولايات المتحدة باعتراض ما لا يقل عن سبع ناقلات نفط مرتبطة بكاراكاس في منطقة الكاريبي، والسيطرة الفعلية على جزء كبير من صادراتها النفطية الخام. وفي الوقت نفسه، أعلن البيت الأبيض عن برنامج يصل إلى 100 مليار دولار “لإعادة تعويم” الصناعة الفنزويلية تحت الإشراف الأمريكي.
لقد أدى هذا التحول إلى قطع شبه جذري للمخطط التقليدي الذي كانت فنزويلا ترسل بموجبه النفط المدعوم إلى كوبا مقابل الأطباء والمستشارين الأمنيين والدعم الدبلوماسي. وقد قدم ترامب عملية القبض على مادورو ونقله إلى نيويورك بمثابة “تحذير للملاحين” لحلفاء كاراكاس الآخرين في المنطقة. ومن الواضح أن الحكومة الكوبية هي التالية على القائمة.
النتيجة واضحة: فإذا كان الحصار يركز في السابق على التجارة الثنائية ومنع الاستثمارات الأمريكية في الجزيرة، فإن واشنطن تسيطر الآن على صنبور أحد الدول القليلة التي كانت لا تزال قادرة على دعم كوبا. ويدور النقاش الداخلي حول مدى استغلال الولايات المتحدة لهذا الموقف القوي، وما إذا كان الحصار الشامل لن يجر أطرافاً إقليمية أخرى إلى أزمة أمنية في منطقة الكاريبي.
المكسيك: أنبوب الإمداد الأخير تحت ضغط واشنطن
مع تحييد فنزويلا كمورد، أصبحت المكسيك بمثابة شريان الحياة الرئيسي لكوبا في مجال الطاقة. فبين يناير وسبتمبر 2025، يُعتقد أن حكومة كلوديا شينباوم أرسلت إلى الجزيرة شحنات من النفط الخام والمشتقات بقيمة تقارب 400 مليون دولار، وفقاً لمصادر استشارتها رويترز. وتتحدث الرواية الرسمية في مكسيكو سيتي عن “تعاون في مجال الطاقة لأغراض إنسانية”، استناداً إلى عقود وقعتها إدارات سابقة.
لكن التباين مع ضغط واشنطن يبدو مدمراً. فقد ألمح البيت الأبيض إلى أن الصادرات المكسيكية إلى كوبا قد تدخل في نطاق العقوبات الثانوية، خاصة بعد توقيع الأمر التنفيذي الذي يفرض تعريفة بنسبة 25% على الدول التي تستورد النفط الخام الفنزويلي. والتهديد، وإن لم يُصغ علناً، واضح: إذا أصرت المكسيك على أن تكون المورد الأخير لهافانا، فقد تدفع ثمناً تجارياً ومالياً في إطار اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA).
وهكذا، تواجه شينباوم معضلة بالغة التعقيد. فتقليص الشحنات بشكل كبير – وهو ما يدرسه مكتبها، وفقاً لمصادر نقلتها الوكالة – سيخفف الضغط الأمريكي، لكنه قد يزيد من تفاقم أزمة الطاقة الكوبية ويدفع بموجة هجرة جديدة نحو الأراضي المكسيكية والأمريكية. أما الإبقاء عليها، فسيضعها في قلب صراع جيوسياسي يهدد بتحويل كل ناقلة نفط متجهة إلى هافانا إلى حادث دبلوماسي.
حصار معزز بتكلفة دبلوماسية باهظة
تفرض الولايات المتحدة منذ أكثر من ستة عقود حصاراً اقتصادياً وتجارياً ومالياً على كوبا، وهو ما تدينه الجمعية العامة للأمم المتحدة عاماً بعد عام باعتباره مخالفاً للقانون الدولي. وفي عام 2024، صوت 187 بلداً لصالح القرار الذي يطالب بإنهاء الحصار، مقابل صوتين فقط ضده – وهما الولايات المتحدة وإسرائيل – وامتناع دولة واحدة. وإدارة ترامب، بعيداً عن تخفيفه، ضاعفت من نطاقه بتفعيل قانون هيلمز-بيرتون بالكامل وتكثيف العقوبات في ولايتها الثانية.
سيمثل الحصار الكامل لواردات النفط قفزة نوعية تتجاوز هذا الإطار. فالأمر لن يقتصر على منع المعاملات المالية، بل سيتطلب نشر أصول بحرية لاعتراض شحنات من دول ثالثة متجهة إلى الموانئ الكوبية. وقد أعرب العديد من الحلفاء الأوروبيين واللاتينيين بالفعل، في أحاديث خاصة، عن قلقهم إزاء “عسكرة” محتملة للحصار، خشية وقوع حوادث في المياه الدولية وحدوث انقسام جديد في المحافل متعددة الأطراف.
ويشير خبراء استشارتهم وسائل إعلام دولية إلى أن الأخطر هو أن الضغط الأقصى على هافانا قد يتحول إلى سابقة لنزاعات طاقة أخرى، مما يعيد تفسير استخدام البحر والطرق التجارية كأسلحة سياسية. ويكشف هذا الواقع إلى أي مدى أصبحت حرب النفط محور استراتيجية واشنطن الخارجية في نصف الكرة الغربي.
تداعيات اقتصادية: من السياحة إلى انقطاع الكهرباء الشامل
على الصعيد الاقتصادي، سيترتب على الوقف الكامل لإمدادات النفط آثار مدمرة. فالسياحة، التي تمثل حوالي 10% إلى 12% من الناتج المحلي الإجمالي الكوبي ويعتمد عليها مئات الآلاف من الوظائف، تعاني بالفعل من انقطاع التيار الكهربائي ونقص الوقود اللازم للنقل الداخلي. وسيناريو التقنين الشديد، مع انقطاعات يومية للكهرباء، سيثني منظمي الرحلات السياحية الأوروبيين والكنديين الذين لا يزالون يدعمون جزءاً كبيراً من تدفق الزوار.
يقدر الاقتصاديون الذين استشارتهم مؤسسات مالية مختلفة أنه في حال استمرار الحصار لفترة طويلة، قد ينكمش الناتج المحلي الإجمالي الكوبي بنسبة تتراوح بين 8% و12% في عام واحد فقط، وهي أرقام تقترب من تلك التي شهدتها “الفترة الخاصة” بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، عندما انهار الاقتصاد بنحو 35% في النصف الأول من التسعينيات. الفارق اليوم هو أن قدرة الصمود الاجتماعي ومدخرات الأسر أقل بكثير، بعد سنوات من الأزمات والتضخم والجائحة.
ستكون الشبكة الاستشفائية وصناعة الغذاء والنقل الحضري هي القطاعات الأكثر ضعفاً. فبدون وقود كافٍ، سيتعين على الحكومة إعطاء الأولوية للمستشفيات ومحطات تنقية المياه ونقل المواد الغذائية الأساسية، مما يترك شرائح واسعة من السكان بخدمات محدودة للغاية. وسيزداد خطر الاحتجاجات الاجتماعية وموجات الهجرة الجديدة نحو الولايات المتحدة ودول أخرى في المنطقة بشكل ملحوظ، مما يفتح سيناريو من عدم الاستقرار قد يتجاوز بكثير حدود الجزيرة.









