خطبة الأزهر: رعاية اليتيم منهج إسلامي شامل وتحذير من ازدواجية معايير الكيان المحتل

دعوة لتكافل مجتمعي أصيل ورفض للظلم والانتقائية

في عالمٍ يكتفي أحيانًا بتخصيص أيامٍ رمزية لرعاية اليتيم، محولًا إياها إلى محطات عابرة في جدول الأنشطة الإنسانية، جاء صوت الجامع الأزهر اليوم ليدوي بخطبة الجمعة، مؤكدًا أن هذه الرعاية ليست ترفًا موسميًا بل ضرورة منهجية متأصلة في جوهر الإسلام. الدكتور حسن صلاح الصغير، رئيس أكاديمية الأزهر العالمية لتدريب الأئمة والدعاة، ألقى الخطبة التي تجاوزت حدود المناسبات، لتعمق في مفهوم اليتم ضمن رؤية شاملة، لا تراه حالة استثنائية بل جزءًا أصيلًا من نسيج المجتمع المسلم.

وأشار الصغير إلى أن بعض الأفراد يحصرون مفهوم رعاية اليتيم في أطر زمنية محددة، كـ ‘يوم اليتيم’، الأمر الذي يختزل قيمة إنسانية عظيمة إلى مجرد حدث سنوي. في المقابل، شدد على أن الرؤية الإسلامية لهذه الفضيلة تتجاوز تلك الحدود الضيقة، مستندة إلى توجيهات قرآنية واضحة كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾، وأحاديث نبوية شريفة كمقولة النبي ﷺ: «أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة». هذه النصوص ليست دعوات عابرة، بل هي دعائم أساسية لبناء مجتمع متكافل، هدف الإسلام الأسمى.

وأوضح الدكتور الصغير أن ذكر اليتامى في القرآن الكريم جاء مقترنًا بغيرهم من الفقراء والمساكين والضعفاء، في إشارة بليغة إلى أن قضيتهم ليست منفصلة، بل هي جزء لا يتجزأ من منظومة رعاية شاملة تستهدف كل محتاج، سواء كان احتياجه ماديًا أو معنويًا. وقد تجلى ذلك في آيات مثل قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ﴾. هذه المقارنة تؤكد أن البر الحقيقي لا يكمن في مجرد المظاهر والطقوس، بل في تجسيد التكافل الاجتماعي، كما بين سبحانه في قوله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ… وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ﴾.

وشدد رئيس أكاديمية الأزهر على أن الشريعة الإسلامية، بينما تدعو إلى رعاية الضعفاء – بمن فيهم اليتامى – ماديًا ومعنويًا، فإنها في الوقت ذاته تحذر بشدة من أي شكل من أشكال الظلم أو التعدي على أموالهم. وأوضح أن المناسبات المخصصة لليتيم يجب أن تكون بمثابة محطات لتذكير الأمة بالقيم الأخلاقية القرآنية، داعيًا إلى توسيع مفهوم الرحمة ليشمل كل محتاج وضعيف، ما يسهم في رقة القلوب وتكريس إنسانية متكاملة لا تقبل التجزئة.

وفي ختام خطبته، لم يتردد الدكتور الصغير في توجيه تحذير شديد من ازدواجية المعايير التي تظهر في التعاطي مع القضايا الإنسانية. وأشار إلى التناقض الصارخ بين دعوات ‘الكيان المحتل’ لحقوق المرأة والطفل، وبين حقيقة كونه المسبب الرئيسي لليتم والتشريد الذي يضرب آلاف الأسر، خاصة في قطاع غزة في ظل العدوان المتواصل. هذا الموقف، لفت الصغير، يعكس حالة من الانتقائية، التي سبق أن حذر منها القرآن الكريم منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}. مؤكدًا أن ادعاء نصرة الضعفاء يتنافى كليًا مع المساهمة في ظلمهم أو إهمالهم، وأن دعوة الإسلام هي لعدالة شاملة وإنسانية صادقة، لا تعرف التناقض أو الانتقائية.

Exit mobile version