خريجو بريطانيا في مصيدة «ديون الأبد».. الشهادة الجامعية لم تعد تذكرة عبور بل «كلبشات» مالية

نظام القروض البريطاني يثير غضب الملايين بتجميد عتبات السداد وفوائد باهظة

صحفي اقتصادي في منصة النيل نيوز، متخصص في متابعة أسواق المال والتقارير الاقتصادية المحلية والعالمية

تخيل أن تدرس لسنوات وتجتهد لتحصل على وظيفة أحلامك، لتكتشف في النهاية أن شهادتك الجامعية ليست «تذكرة عبور» لحياة كريمة، بل هي مجرد «اشتراك إجباري» في ديون لن تتركك حتى تشيب. في بريطانيا اليوم، لم يعد الأمر مجرد قروض دراسية، بل تحول لواقع مرير يلاحق الخريجين حتى سن الخمسين. الصدمة ليست في الأرقام فقط، بل في تلك «السكاكين» التي تُمرر بهدوء في كواليس وستمنستر، لتجعل من طموح الشباب عبئاً ثقيلاً ينمو ككرة ثلج تخنقهم في أجمل سنوات عمرهم.

الحقيقة المرة التي لا تقال صراحة هي أن أغلب المقترضين يخوضون سباقاً خاسراً مع الزمن. الخريج يلتزم بدفع أقساطه شهرياً بانتظام، لكنه يفاجأ بأن الدين الأصلي ينمو بوتيرة مرعبة تتجاوز قدرته على السداد. العام الماضي وحده شهد إضافة 15 مليار جنيه إسترليني كفوائد فقط، في حين أن ما تم سداده فعلياً لم يتجاوز 5 مليارات. هذا خلل بنيوي فاضح. نحن نتحدث عن محفظة قروض في إنجلترا وصلت لرقم فلكي يناهز 240 مليار جنيه إسترليني. ببساطة، الخلاص من الدين أصبح وهماً.

وهنا نلمس جوهر «الفخ المالي» فيما يسمى بقروض «الخطة 2». النظام مبرمج ليقتطع 9% من أي دخل يتجاوز عتبة الـ 27 ألف جنيه تقريباً، لكن الكارثة الحقيقية في الفائدة. إنها مرتبطة بمؤشر أسعار التجزئة (RPI)، وهو مقياس دائماً ما يكون أعلى من مؤشر أسعار المستهلك الذي تستخدمه الدولة في حساباتها الأخرى، مع إضافة «بلطجة» اختيارية تصل لـ 3% حسب دخلك. والمصيبة الأكبر أن الحكومة بدأت فعلياً في تطبيق «الخطة 5» للخريجين الجدد، والتي تمد فترة السداد لـ 40 عاماً بدلاً من 30.. يعني ستظل تدفع حتى تخرج للمعاش تقريباً!

الأمر لا يتوقف عند حدود القرض، بل هي «ضريبة نجاح» مستترة ومجحفة. بمجرد أن يتحسن دخلك، تجد نفسك أمام معدل ضريبي يصل لـ 38%، وإذا اجتهدت أكثر ووصلت لراتب 50 ألف جنيه، يقفز هذا المعدل لـ 51% (بإضافة الضرائب والتأمين والقرض). بصراحة، الدولة هنا شريك «غلس» يقتسم مع الخريج أكثر من نصف كل جنيه إضافي يتعبه فيه. هذا يقتل أي طموح وظيفي لدى جيل يطحنه أصلاً انفجار أسعار السكن وتكاليف المعيشة في لندن وغيرها.

حكومة راشيل ريفز، ومن قبلها المحافظون، لعبوا لعبة «تجميد العتبات» لجمع المال. تجميد الحد الأدنى للدخل الذي يبدأ عنده السداد يعني إجبار ذوي الدخول المنخفضة على الدفع مبكراً. معهد الدراسات المالية أكد أن هذا التجميد سيكلف الخريج العادي 3 آلاف جنيه إضافية، وقد يصل الضرر للفئات الأضعف لـ 5 آلاف. إنه انحياز طبقي واضح، يضغط على «الغلابة» ليريح الأثرياء.

خلاصة القول، هذه الديون تتسم بـ «مزاجية» سياسية مقيتة. قد يقترض زميلان نفس المبلغ، لكن الظروف تجعل أحدهما يسدد ضعف الآخر. هذا الظلم يولد فجوة جيلية عميقة؛ فالخريج اليوم يدفع ثمن شهادته وثمن فشل السياسات المالية، بينما جيل آبائهم حصل على كل شيء مجاناً تقريباً. الحلول المطروحة حالياً هي مجرد «مسكنات» لا تسمن ولا تغني من جوع، والجامعات نفسها تعاني عجزاً وتقتات على الطلاب الدوليين. النظام يترنح، والخريج هو الضحية الوحيدة في هذا السيرك المالي.

Exit mobile version