حمى الذهب تجتاح البنوك المركزية… سباق عالمي للتحوط من الدولار بأسعار قياسية
لماذا تتجاهل البنوك المركزية الأسعار التاريخية للذهب وتواصل الشراء؟ كواليس معركة التحوط الكبرى.

في تحرك يعكس حالة من القلق العالمي، كثفت البنوك المركزية حول العالم من وتيرة شرائها للذهب خلال الربع الثالث من العام، متجاهلة أسعاره القياسية، في سباق محموم للتحوط من ضعف الدولار الأمريكي والضبابية الاقتصادية التي تلوح في الأفق.
سباق نحو الملاذ الآمن
كشف تقرير حديث صادر عن مجلس الذهب العالمي عن شراء ما مجموعه 220 طناً من المعدن النفيس بين يوليو وسبتمبر، بزيادة لافتة بلغت 28% عن الربع السابق. هذه الأرقام لا تعكس فقط عودة قوية للشهية على الذهب بعد تباطؤ مطلع العام، بل تشير إلى تغير استراتيجي في سياسات إدارة الاحتياطيات لدى العديد من الدول.
وتصدر المشهد البنك الوطني الكازاخستاني كأكبر مشترٍ منفرد، لكن الخطوة الأكثر دلالة كانت من البنك المركزي البرازيلي الذي عاد لشراء الذهب لأول مرة منذ أكثر من أربع سنوات. عودة البرازيل إلى ساحة المشترين لا تمثل مجرد صفقة، بل هي إشارة قوية على أن الاقتصادات الناشئة الكبرى لم تعد تثق كلياً في استقرار النظام المالي القائم على الدولار، وتسعى لتنويع احتياطياتها بأصول حقيقية ملموسة.
على مدار العام المنتهي في سبتمبر، أضافت البنوك المركزية 634 طناً إلى خزائنها. ورغم أن هذا الرقم يقل عن مستويات السنوات الماضية، إلا أنه يظل أعلى بكثير من المتوسطات المسجلة قبل عام 2022، وهو ما يربطه المحللون مباشرة بتداعيات الحرب في أوكرانيا التي أعادت تشكيل خريطة التحالفات الاقتصادية والسياسية العالمية.
دوافع الشراء في ظل الأسعار المرتفعة
لم يعد الأمر مجرد استثمار تقليدي، بل تحول إلى ضرورة استراتيجية. فالتوترات الجيوسياسية المتصاعدة، وضغوط التضخم المستمرة، والغموض الذي يكتنف سياسات التجارة العالمية، كلها عوامل تدفع المؤسسات النقدية للبحث عن ملاذ آمن ومستقر. هذا التوجه يفسر الإقبال على الشراء رغم أن سعر الذهب ارتفع بنحو 50% هذا العام، مسجلاً ذروة تاريخية تجاوزت 4380 دولاراً للأونصة.
كان الارتفاع الكبير في الأسعار عاملاً مقيداً للمشتريات في النصف الأول من العام، لكن استمرار الطلب القوي في الربع الثالث يثبت أن البنوك المركزية تنظر إلى الأمر كإضافة استراتيجية طويلة الأمد لاحتياطياتها، وليس مجرد مضاربة قصيرة الأجل. اللافت أن نحو 66% من الطلب المسجل في الربع الأخير لم يتم الإفصاح عن مصدره، مما يفتح الباب أمام تكهنات بوجود مشترين كبار يفضلون العمل في الخفاء.
مفارقة سوق المجوهرات
لم يقتصر هذا الزخم على المؤسسات الرسمية، بل امتد إلى المستثمرين الأفراد والصناديق. فقد ارتفع طلب المستثمرين بنسبة 13%، مدفوعاً بمخاوف “تفويت فرصة تحقيق المزيد من المكاسب”، إلى جانب جاذبية الذهب كأداة تحوط. وشهدت الصناديق المتداولة المدعومة بالذهب تدفقات قياسية بلغت 26 مليار دولار، مدفوعة بتوقعات التيسير النقدي من قبل الفيدرالي الأمريكي والمخاوف بشأن قوة الاقتصاد الأكبر في العالم.
في المقابل، كان لارتفاع الأسعار تأثير عكسي على المستهلك العادي. فقد أدى صعود سعر الذهب إلى تراجع استهلاك المجوهرات من حيث الحجم إلى أدنى مستوى له منذ عام 2020. لكن المفارقة تكمن في أن قيمة الإنفاق على المجوهرات ارتفعت بنسبة 13% لتصل إلى 41 مليار دولار، مما يعني أن المستهلكين يشترون قطعاً أقل ولكن يدفعون أموالاً أكثر.









