عرب وعالم

حكومة المهمة في فرنسا.. محاولة أخيرة لعبور حقل الألغام السياسي

في خطوة تحمل دلالات سياسية عميقة، أعلن رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو عن تشكيل حكومته الجديدة المكونة من 35 وزيرًا. يأتي هذا الإعلان كخطوة استباقية ومحاولة لإنقاذ الموقف الحكومي قبل مواجهة مذكرتي حجب ثقة حاسمتين في الجمعية الوطنية، مقدمتين من حزبي فرنسا الأبية اليساري والتجمع الوطني اليميني المتطرف.

يسعى لوكورنو، الذي شهدت حكومته الأولى استقالة قياسية بعد 14 ساعة فقط، إلى تقديم فريق “منزوع الطابع الحزبي” وصفه بأنه “حكومة مهمة”، هدفها الأسمى هو تمرير موازنة 2026. ورغم أن قصر الإليزيه أعلن عن منحه حرية الاختيار، إلا أن بصمات الرئيس إيمانويل ماكرون كانت واضحة في توجيه التشكيلة نحو خليط يذكّر بولايته الأولى، يجمع بين شخصيات من المجتمع المدني وكبار الموظفين والوجوه “الماكرونية” الموالية.

توازنات هشة ومفاوضات معقدة

كشفت مصادر مطلعة عن كواليس المفاوضات المعقدة التي قادها لوكورنو بتنسيق مباشر مع ماكرون لإقناع الحلفاء في “المعسكر الوسطي” بالتشكيلة الجديدة. وتأتي هذه الجهود في ظل انقسامات حادة داخل حزب “الجمهوريين” حول المشاركة، وبرود ملحوظ من حزب “آفاق” بزعامة رئيس الوزراء الأسبق إدوار فيليب، وفقًا لما ذكرته صحيفة “لوفيجارو” الفرنسية.

يكتسب الإعلان عن الحكومة الفرنسية الجديدة أهمية خاصة لتزامنه مع قرب عرض مشروع الموازنة على البرلمان، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية والاحتقان الاجتماعي. وتظل الإصلاحات الاقتصادية المثيرة للجدل، وعلى رأسها قانون التقاعد، ورقة ضغط رئيسية في يد المعارضة التي لوحت بتقديم مذكرة حجب ثقة جديدة إذا لم يتم تجميد القانون فورًا، مما يضع التشكيل الوزاري الجديد في اختبار صعب منذ يومه الأول.

وجوه من خارج الصندوق لمواجهة التحديات

في إشارة واضحة لرغبة ماكرون في ضخ دماء جديدة وتجاوز الاستقطاب الحزبي، ضمت الحكومة أسماء بارزة من خارج الطبقة السياسية التقليدية، أو ما يعرف بـ وزراء تكنوقراط. هذه الخطوة تعكس محاولة للتركيز على الخبرة الفنية في إدارة الملفات الشائكة التي تواجه الأزمة السياسية في فرنسا.

من أبرز هذه الوجوه:

  • جان بيار فاراندو وزيرًا للعمل والتضامن، وهو الرئيس السابق لشركة السكك الحديدية الوطنية، ما يشير إلى التركيز على إدارة ملفات القطاع العام.
  • كاثرين فوترا على رأس وزارة القوات المسلحة، لتصبح أول امرأة تشغل هذا المنصب الحساس منذ سنوات.
  • لوران نونيز، المسؤول الأمني السابق ورئيس جهاز المخابرات الداخلية، وزيرًا للداخلية، في رسالة تؤكد أولوية الملف الأمني.
  • رولا لسكور وزيرًا للاقتصاد والمالية والسيادة الصناعية والرقمية، ليتولى بذلك أحد أهم القطاعات الحيوية.
  • ستيفاني ريست وزيرة للصحة وشؤون الأسرة وكبار السن وذوي الإعاقة.

بينما احتفظت رشيدة داتي بحقيبة الثقافة، تم تعيين إدوار جفري في وزارة التربية الوطنية، وفيليب بابتست وزيرًا للتعليم العالي والبحث والفضاء، في استكمال لتشكيلة تهدف إلى تحقيق توازن بين الاستمرارية والتغيير.

ومن المقرر أن يُعقد أول اجتماع لمجلس الوزراء صباح الثلاثاء، وسط توجيهات من قصر ماتينيون بأن تكون مراسم التسليم والتسلم “بسيطة ومغلفة بالجدية”، دون تغطية إعلامية. هذه الرسالة الرمزية تؤكد أن المرحلة المقبلة هي للعمل وليس للاحتفالات، في محاولة لإظهار الجدية أمام تحديات كبرى تهدد استقرار الجمعية الوطنية والحكومة معًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *