حصاد الدبلوماسية المصرية: كتابان يرويان قصة عشر سنوات من التحركات الدولية

بعد غياب دام لعقود، تعود وزارة الخارجية المصرية لإصدار “الكُتب البيضاء”، كاشفةً في عمل توثيقي ضخم عن خريطة تحركات مصر الخارجية على مدار عشر سنوات حافلة. كتابان وُضعا بين يدي الرئيس عبد الفتاح السيسي، ليلخصا حكاية استعادة مصر لمكانتها عبر دبلوماسية القمة ومبدأ “الاتزان الاستراتيجي”.
عودة “الكُتب البيضاء”.. شهادة على عقد من الإنجازات
في خطوة تحمل دلالة رمزية كبيرة، قدم الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والهجرة وشئون المصريين بالخارج، إصدارين يمثلان أول “كُتب بيضاء” تصدر عن الوزارة منذ ثمانينيات القرن الماضي. هذا العمل التوثيقي الضخم، الذي أُعدّ على أيدي فرق متخصصة من دبلوماسيين وخبراء، لا يهدف فقط إلى الرصد، بل إلى تقديم شهادة تاريخية على عقد كامل (2014-2024) استعادت فيه السياسة الخارجية المصرية زمام المبادرة في محيط إقليمي وعالمي يموج بالتحديات.
الكتاب الأول: “دبلوماسية القمة”.. 181 زيارة ترسم خريطة نفوذ مصر الجديدة
يروي الكتاب الأول، الذي يحمل عنوان “الزيارات الخارجية الرسمية لرئيس الجمهورية في عقد من الزمان”، قصة التحركات الرئاسية المكثفة التي جابت العالم. لم تكن مجرد رحلات بروتوكولية، بل كانت حجر الزاوية في بناء رؤية مصرية واضحة تهدف لجعل القاهرة صوتًا مؤثرًا في دوائر صنع القرار العالمي، ومرتكزًا للاستقرار في الشرق الأوسط.
الأرقام هنا تتحدث عن نفسها: 181 زيارة شملت 62 دولة، تنوعت ما بين 87 زيارة رسمية، و82 مشاركة في فعاليات متعددة الأطراف، و12 زيارة دولة. كل زيارة كانت خطوة محسوبة في استراتيجية عليا للدفاع عن ثوابت الوطن وتأمين مصالح الأمن القومي المصري، بعيدًا عن سياسات الاستقطاب والمحاور.
جولات رئاسية تفتح آفاقًا غير مسبوقة
لم تقتصر الزيارات الخارجية على العواصم التقليدية، بل امتدت لتفتح أبوابًا جديدة لم يطرقها رئيس مصري من قبل. حيث شهد هذا العقد زيارات هي الأولى من نوعها لدول مثل:
- غينيا الاستوائية
- سنغافورة
- رواندا
- فيتنام
- أرمينيا
- موزمبيق
كما حافظت الدبلوماسية الرئاسية على ثوابتها، حيث استأثرت المنطقة العربية بأكثر من ثلث الجولات (70 زيارة)، بينما حظيت القارة الأفريقية باهتمام خاص تجسد في 37 زيارة إلى 20 دولة، تأكيدًا على عمق مصر العربي والأفريقي.
الكتاب الثاني: “الاتزان الاستراتيجي”.. فلسفة مصر في عالم مضطرب
أما الكتاب الثاني، “الاتزان الاستراتيجي: عشر سنوات من الدبلوماسية المصرية”، فهو يقدم تحليلاً عميقاً للفلسفة التي حكمت تحركات مصر. هذا المبدأ، الذي أرساه الرئيس عبد الفتاح السيسي، يقوم على تحقيق توازن دقيق بين حماية المصالح الوطنية، والانفتاح على شراكات متعددة، ورفض منطق التحالفات الصفرية، مع التمسك بسيادة الدول ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة.
ويستعرض الكتاب كيف تُرجم هذا المبدأ إلى سياسات عملية. فمن الدور المحوري في القضية الفلسطينية، خاصة بعد العدوان على غزة، وتقديم رؤية متكاملة لإعادة الإعمار وإحياء حل الدولتين، إلى جهود إعادة الاستقرار في دول الجوار التي عصفت بها الأزمات مثل ليبيا والسودان، كانت مصر حاضرة بقوة وثبات.
من إفريقيا إلى تجمع البريكس.. شراكات نحو المستقبل
لا يغفل الكتاب توثيق الشراكات الاستراتيجية المتنامية مع قوى عالمية في آسيا وأوروبا والأمريكتين، والتي تُوجت بانضمام مصر مؤخرًا إلى تجمع البريكس كدليل على مرونة العلاقات الدولية المصرية. فالرؤية كانت واضحة: بناء شراكات جديدة لا يأتي خصمًا من علاقات مصر التاريخية، بل يضيف إليها، مما منح الدولة المصرية القدرة على مواجهة ضغوط الاستقطاب الدولي بحكمة، وتكريس دورها كقوة للسلام والتنمية والعدالة.









