حرب فول الصويا: مزارعو أمريكا يدفعون فاتورة الصراع مع الصين
مع توقف بكين عن الشراء، يواجه المزارعون الأمريكيون أزمة تكدس المحصول ويتحولون إلى ضحايا في حرب تجارية لم يختاروها

في قلب الحرب التجارية بين واشنطن وبكين، يجد مزارعو فول الصويا الأمريكيون أنفسهم في مواجهة مصير مجهول. فمع توقف الصين، أكبر مستورد لمحصولهم، عن الشراء، تتكدس أطنان المحصول في الصوامع، لتتحول ورقة الضغط السياسية إلى أزمة اقتصادية تهدد شريحة رئيسية من قاعدة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانتخابية.
بدأت القصة في مارس الماضي عندما فرضت بكين رسومًا جمركية انتقامية على السلع الزراعية الأمريكية، ما أغلق الباب فعليًا أمام واردات فول الصويا. هذه الخطوة، التي جاءت قبل موسم الحصاد مباشرة، منحت الصين أداة ضغط فعالة باستهداف المزارعين الذين يشكلون جزءًا أساسيًا من داعمي ترامب، في توقيت حرج قبل لقاء مرتقب بينه وبين نظيره الصيني شي جين بينغ الأسبوع المقبل.
الصين، التي استوردت العام الماضي وحده ما قيمته 13 مليار دولار من فول الصويا الأمريكي، وهو ما يمثل أكثر من خُمس إجمالي المحصول لاستخدامه في الأعلاف وزيوت الطهي، لم تسجل حتى الآن أي طلبية لشراء شحنة واحدة من محصول الخريف الوفير لهذا العام، في خطوة تعكس حجم الأزمة التي يواجهها المزارعون الأمريكيون.
ورقة ضغط في الحرب التجارية
رغم صعوبة انتقاد ترامب علنًا بالنسبة للكثيرين منهم، إلا أن مشهد تكدس المحصول في الصوامع جعل من الصعب تجاهل شعورهم بأنهم ضحايا حرب لم يختاروها. الخوف الأكبر لا يكمن فقط في الأزمة الحالية، بل في الآثار طويلة الأمد، حيث تبدو بكين عازمة على إعادة تشكيل خريطة إمداداتها بالاعتماد بشكل أكبر على البرازيل والأرجنتين، وهو تحول استراتيجي قد لا يمكن عكسه بسهولة حتى لو تم التوصل لاتفاق.
وفي هذا السياق، صرح كالب راغلاند، مزارع من كنتاكي ورئيس الجمعية الأمريكية لفول الصويا: “الكثير على المحك لكلا البلدين، ونحن في وضع أفضل عندما نعمل معًا”. وأضاف أن سكان المناطق الريفية، الذين كانوا من أشد مؤيدي ترامب، يحتاجون إلى الدعم الآن، مطالبًا الرئيسين بالجلوس إلى طاولة المفاوضات للتوصل إلى اتفاق تجاري عادل ومستدام يعيد الاستقرار للسوق.
تحركات واشنطن لاحتواء الأزمة
إدارة ترامب، التي أدركت خطورة الموقف، وصفت المقاطعة الصينية بأنها “عمل عدائي اقتصادي”، وجعلت استئناف مشتريات فول الصويا مطلبًا رئيسيًا في المفاوضات. وفي محاولة لتخفيف الضغط، أعلنت وزيرة الزراعة بروك رولينز عن استئناف توزيع مساعدات بقيمة 3 مليارات دولار للمزارعين، لكن القطاع يؤكد أن الدعم الحكومي ليس بديلاً عن التجارة الحرة والمستقرة.
وتسعى الإدارة الأمريكية لإبرام اتفاقات مع دول أخرى لتعويض الفجوة التي خلفتها الصين، لكن مسؤولي القطاع يشككون في قدرة أي سوق جديدة على استيعاب الكميات الهائلة التي كانت تتجه إلى بكين. وحتى لو تم التوصل لاتفاق قريبًا، فإن شركات الطحن الصينية قد أمنت بالفعل معظم احتياجاتها لهذا العام، ما يعني أن جزءًا كبيرًا من المحصول الحالي سيبقى دون مشترٍ.
استراتيجية الصين طويلة الأمد
لا تخلو استراتيجية الصين من المخاطر، فالاعتماد المتزايد على البرازيل يعني تكاليف أعلى وتعرضًا أكبر لتقلبات الطقس في أمريكا الجنوبية. لكن الهدف الأبعد لبكين يبدو واضحًا: تنويع مصادر الإمداد وتقليص الاعتماد على منافسها الجيوسياسي الرئيسي. هذا التوجه الاستراتيجي يعكس رغبة في بناء نظام إمداد عالمي أقل تأثرًا بالضغوط السياسية الأمريكية.
التأثير لم يقتصر على المزارع، بل امتد إلى شبكة الخدمات اللوجستية بأكملها. عربات القطارات التي كانت تنقل المحصول من الغرب الأوسط إلى موانئ الساحل الغربي تمهيدًا لشحنه إلى آسيا، توقفت حركتها تمامًا هذا الموسم. يقول إريك لارسون، مدير إحدى تعاونيات التخزين في داكوتا الشمالية: “بُنيت منطقتنا لخدمة السوق الآسيوية، وهذا العام لا وجود لذلك على الإطلاق”.
شبح أزمة الثمانينيات يلوح في الأفق
بالنسبة للمخضرمين في القطاع الزراعي، يعيد هذا المزيج من الحرب التجارية والتضخم وانخفاض أسعار السلع إلى الأذهان ذكريات مؤلمة. يشبه جون بارتمان، مزارع من إلينوي، الوضع الحالي بـ أزمة المزارع الأمريكية في الثمانينيات، التي أدت إلى إفلاس آلاف المزارع. وقال: “ما يحدث الآن هو بالضبط ما كنت أدرسه عن دورات الركود الاقتصادي الزراعي”.
ويضيف بارتمان بنبرة غاضبة: “ما فعله ترامب كان مدمرًا لمجتمع المزارعين. نظامنا يعتمد على الطلب، وإذا غاب الطلب، يتبخر دخل المزرعة”. وبينما يأمل البعض في تنويع أسواق التصدير أو التوسع في إنتاج الوقود الحيوي، يقر الجميع بأن هذه الحلول تستغرق سنوات، ولا تقدم حلاً عاجلاً للمحصول المكدس حاليًا.
في النهاية، تكشف أزمة فول الصويا عن تناقض جوهري في سياسة “أمريكا أولاً”، فالاقتصاد الزراعي الأمريكي يعتمد بشكل كبير على التصدير. وعندما يتم إغلاق أكبر سوق في العالم، يصبح من الصعب التوفيق بين حماية الصناعة المحلية والحفاظ على المصالح الحيوية لقطاع يعيش على التجارة العالمية.








