جويل موكير الحائز على نوبل: 5 دروس لفهم مستقبل النمو الاقتصادي

يقدم عمل الاقتصادي جويل موكير، أحد الفائزين بجائزة نوبل في الاقتصاد هذا العام، إطارًا فكريًا عميقًا لفهم أسباب ازدهار الأمم أو ركودها. وفي ظل حالة عدم اليقين التي تخيم على الاقتصاد العالمي، توفر أبحاثه إجابات حاسمة حول تحديات كبرى مثل تأثير الذكاء الاصطناعي وجدوى النماذج الاقتصادية الموجهة مركزيًا.
1. النمو يواجه مقاومة حتمية
كان النمو الاقتصادي دائمًا المحرك الرئيسي لتحسين حياة البشر، حيث أتاح لهم أعمارًا أطول ومستوى معيشة أكثر راحة. لكن هذا التقدم غالبًا ما يواجه مقاومة مجتمعية شرسة، لأنه بطبيعته يفرض اضطرابًا وتغييرًا. يوضح التاريخ الاقتصادي، كما وثّقه موكير، كيف رفض العمال في بداية الثورة الصناعية العمل في المصانع، مفضلين أنماط عملهم التقليدية كحرفيين أو مزارعين رغم قسوتها، لأنها كانت البيئة الوحيدة التي يعرفونها.
إن فكرة العمل الحديث، بما تتضمنه من التزام بمواعيد محددة وتلقي الأوامر من مدير غريب، كانت تعتبر مهينة في البداية، لدرجة أن المصانع اعتمدت لسنوات على النساء والأطفال. لقد استغرق الأمر أجيالًا من التكيف الاجتماعي حتى يقبل الرجال هذا التحول الجذري في طبيعة العمل، وهو ما يوضح أن كل قفزة اقتصادية تتطلب تحولًا ثقافيًا موازيًا.
2. الابتكارات الكبرى تحتاج وقتًا
أصبح التصنيع ممكنًا بفضل ابتكارات محورية غيرت وجه الإنتاج، لكن تأثيرها لم يكن فوريًا. يُعد المحرك البخاري مثالًا صارخًا، فرغم أنه كان القوة الدافعة للمصانع، استغرق ظهوره في إحصاءات الإنتاجية أكثر من 100 عام. غالبًا ما تحتاج الاختراعات الحاسمة إلى عقود حتى تجد أفضل استخداماتها، وبطرق لم يتوقعها مخترعوها أنفسهم.
هذا الدرس يحمل دلالات هامة اليوم، فبينما تتسارع وتيرة تبني التقنيات الجديدة، فإن هناك ابتكارات موجودة حاليًا، ربما في مراحلها الأولى، ستُحدث تأثيرًا هائلًا على الاقتصاد العالمي في العقود القادمة بطرق لا يمكننا تصورها الآن.
3. مستقبل الوظائف لا يمكن التنبؤ به
من المسلّم به أن الابتكار التكنولوجي يدمر وظائف قديمة، لكنه في الوقت نفسه يخلق وظائف جديدة تمامًا. يؤكد موكير أن محاولة التنبؤ الدقيق بماهية هذه الوظائف الجديدة هي مهمة عبثية. فالتحولات التي تحدثها التقنيات تغير بنية الاقتصاد بطرق يستحيل فهمها مسبقًا. فكما كان من المستحيل شرح وظيفة “خبير أمن سيبراني” لشخص عاش في عام 1920، يصعب علينا اليوم تخيل المهن التي ستظهر نتيجة للذكاء الاصطناعي أو الهندسة الوراثية.
4. ثقافة النمو هي المحرك الخفي
ظل سؤال “لماذا كانت بريطانيا أول دولة صناعية؟” محورًا لأدبيات التاريخ الاقتصادي لعقود. يقدم عمل موكير إجابة تركز على العامل الثقافي، حيث يرى أن ثقافة النمو كانت العنصر الحاسم. هذه الثقافة، التي تجذرت في عصر التنوير الأسكتلندي، قامت على الانفتاح على المخاطرة والتجريب، وتقدير الفضول والفردية، إلى جانب وجود سكان يتمتعون بتعليم جيد نسبيًا.
هذا التحليل يوضح أن الازدهار لا يتحقق فقط بضخ الأموال وإنشاء البنية التحتية. فالحكومات لا يمكنها أن تخطط مركزيًا لطريقها نحو الرخاء، لأن أهم الابتكارات غالبًا ما تظهر عبر التجربة والخطأ في بيئة ثقافية تشجع على الإبداع المستقل، وهو ما يطرح تساؤلات حول استدامة النماذج التي تعتمد على التخطيط المركزي الصارم.
5. الازدهار ليس قدرًا محتومًا
على مدى قرون طويلة من التاريخ البشري، كان النمو الاقتصادي شبه منعدم. التقدم الذي شهدته القرون القليلة الماضية هو استثناء تاريخي وليس القاعدة. يميل النمو إلى توليد المزيد من النمو، حيث تؤدي الابتكارات إلى اختراعات أعظم. لكن الدرس الأهم الذي يقدمه جويل موكير هو أن هذا التقدم ليس مضمونًا على الإطلاق.
إذا لم تتم المحافظة على الظروف المناسبة للنمو، وأهمها الانفتاح على التغيير والمخاطرة والإبداع، فإن التقدم قد يتوقف أو حتى يتراجع. وفي ظل ميل صانعي السياسات اليوم نحو زيادة تدخل الدولة لمواجهة تباطؤ النمو، تأتي أبحاث موكير كتذكير بأن الوفرة والازدهار لا يأتيان من التخطيط الأفضل، بل من إفساح المجال أمام الديناميكية الإنسانية غير المتوقعة.








