جمال عبد الناصر: 55 عامًا على الرحيل.. حكاية زعيم لا يزال يسكن وجدان المصريين

تمر السنون وتبقى صورته محفورة في ذاكرة الأمة. فبعد خمسة وخمسين عامًا على رحيل الزعيم جمال عبد الناصر، لا يزال اسمه يتردد في شوارع مصر والعالم العربي، ليس فقط كقائد تاريخي، بل كرمز لزمن كانت فيه الأحلام الكبرى ممكنة، وزمن ارتبط فيه مصير المواطن البسيط بمشروع وطني جامع.
من «الضباط الأحرار» إلى كرسي الحكم.. ميلاد الجمهورية
في فجر الثالث والعشرين من يوليو عام 1952، استيقظت مصر على صوت البيان الأول للثورة، معلنًا نهاية حقبة الملكية وبداية عهد جديد. خلف هذا التغيير الجذري، وقفت مجموعة من «الضباط الأحرار» قادهم بقلبٍ جسور شاب أسمر من صعيد مصر، هو جمال عبد الناصر، الذي سرعان ما أصبح ثاني رئيس لجمهورية مصر عام 1954، ليقود سفينة وطن تخلص لتوه من هيمنة استعمار بريطاني جثم على صدره لعقود طويلة.
مصر للمصريين.. معارك التحرر الاقتصادي والاجتماعي
لم يكن مشروع عبد الناصر سياسيًا فحسب، بل كان في جوهره ثورة اجتماعية عميقة. لقد آمن بأن الاستقلال الحقيقي لا يكتمل إلا بتحقيق العدالة الاجتماعية، فكانت قراراته بمثابة هزة عنيفة لبنية المجتمع الطبقية آنذاك. انحاز عبد الناصر بشكل مطلق للفلاحين والعمال، فأصدر قوانين الإصلاح الزراعي التي انتزعت الأراضي من كبار الإقطاعيين ووزعتها على صغار الفلاحين، محققًا حلمًا طال انتظاره.
وفي سبيل بناء دولة قوية، أطلق ناصر شرارة مشروع وطني للتصنيع، فأنشأ قلاعًا صناعية كبرى مثل مصنع الحديد والصلب، وتوّج هذا المسعى بإنجاز مشروع القرن، السد العالي، الذي لم يكن مجرد بناء هندسي لحماية مصر من الفيضان وتوليد الكهرباء، بل كان تجسيدًا للإرادة الوطنية في مواجهة التحديات الدولية. كما فتح أبواب التعليم المجاني على مصراعيها، لتصبح الجامعات حلمًا في متناول أبناء البسطاء بعد أن كانت حكرًا على النخبة.
صوت العروبة الذي هزّ العالم
تجاوز تأثير عبد الناصر حدود مصر ليصبح زعيمًا للأمة العربية بأسرها. ففي عام 1956، اتخذ قراره التاريخي بـتأميم قناة السويس، القرار الذي أعلن به استعادة شريان مصر الحي من السيطرة الأجنبية، متحديًا بريطانيا وفرنسا، ليتحول العدوان الثلاثي الذي أعقب القرار إلى انتصار سياسي ساحق رسّخ مكانته كبطل للتحرر الوطني في العالم.
كان حلم القومية العربية هو المحرك الأساسي لسياسته الخارجية، وهو ما تجلى في إعلان الوحدة مع سوريا عام 1958 تحت اسم «الجمهورية العربية المتحدة»، ورغم أن التجربة لم تدم طويلًا، إلا أنها ظلت شعلة أمل في وجدان الشعوب العربية. كما مدّ يده لدعم حركات التحرر في كل مكان، من الجزائر إلى اليمن، مؤمنًا بأن حرية مصر لا تكتمل إلا بتحرر محيطها العربي.
القضية الفلسطينية.. من الهزيمة إلى حرب الاستنزاف
ظلت فلسطين هي القضية المركزية في فكر وقلب عبد الناصر، فكان يردد دائمًا أن «ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة». ولعب دورًا محوريًا في تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، لتكون الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني. وعندما حلت هزيمة يونيو 1967، لم يتهرب من المسؤولية، بل خرج على الأمة ليعلن تنحيه، فكان رد الشعب في مظاهرات مليونية ترفض رحيله، ليعود ويطلق حرب الاستنزاف التي أعادت بناء الجيش ومهدت الطريق لانتصار أكتوبر العظيم.
رحيل الزعيم.. وجنازة أسطورية
في 28 سبتمبر 1970، توقف قلب جمال عبد الناصر فجأة عن عمر يناهز 52 عامًا، تاركًا وراءه أمة بأكملها في حالة ذهول وحزن. كانت جنازته مشهدًا مهيبًا لم يشهده التاريخ الحديث، حيث خرج الملايين من المصريين والعرب في وداع أسطوري، ليؤكدوا أن الرجل الذي ولد في حي باكوس بالإسكندرية لأسرة من صعيد مصر، قد أصبح خالدًا في قلوبهم كأب وزعيم وقائد لمشروع أمة.









