جسم غامض يثير جدلاً فلكياً: هل 3I/ATLAS زائر بين نجمي أم تكنولوجيا من سحابة أورت؟
الفيزيائي آفي لوب يطرح فرضية جريئة حول أصل الجسم 3I/ATLAS ويدعو لإعادة تقييم طرق الرصد الفلكي

يفرض الجسم بين النجمي الثالث المكتشف، 3I/ATLAS، تحديات جديدة على الفلكيين، ويثير تساؤلات محرجة. فبكتلته التي تتجاوز مليار طن، ومعدل ظهوره الذي يقدر بواحد كل خمس سنوات تقريباً، لا تتوافق أرقامه مع التوقعات المتعلقة بتجمعات الجليد والصخور في الفضاء بين النجمي. في هذا السياق، يقدم عالم الفيزياء الفلكية آفي لوب طرحاً مفاجئاً، إذ يرى أن 3I/ATLAS قد لا يكون قادماً من نجم آخر، بل ربما نشأ داخل نظامنا الشمسي، كجزء من بنية تكنولوجية قائمة في سحابة أورت النائية، والتي قد تُطلق منها “جبال جليدية” معدلة نحو الداخل. هذه الفكرة، التي طورها لوب بالتعاون مع الباحث ماورو باربيري، لا تهدف إلى تقديم إجابات قاطعة، بل تسلط الضوء على حقيقة مزعجة: نحن شبه عميان لما هو أبعد من 20 وحدة فلكية (UA)، وقد تكون المنطقة الواقعة بين نبتون و200 وحدة فلكية أكثر اكتظاظاً مما تسمح به مسوحاتنا الحالية. لا يؤكد لوب أن 3I/ATLAS جسم اصطناعي، لكنه يشير إلى أن مجرد رؤيته – وليس فقط خصائصه الشاذة – سيتطلب تفسيراً إذا كان كذلك، وهو ما قد ينسف جزءاً من سؤال إنريكو فيرمي الشهير: “أين الجميع؟”.
عملاق بين نجمي يثير حيرة العلماء
ينطلق لوب في فرضيته من تحليل كمي دقيق. فلو كان 3I/ATLAS مذنباً كلاسيكياً بين النجوم، فإن كتلته التي تتجاوز الغيغاطن الواحد، إلى جانب اكتشاف أجسام مشابهة كل بضع سنوات، يستلزم وجود خزان هائل من المواد المتجولة بين النجوم. يرى لوب، بناءً على حساباته، أن هذا المخزون الضخم يصعب التوفيق بينه وبين نماذج تشكل الكواكب وكمية “الحطام” المتوقع أن تطردها الأنظمة النجمية.
تضاف إلى هذه المعطيات مجموعة من “الشذوذات الهندسية” التي رصدت في الجسم، منها: توافق مساره مع مستوى مسار الشمس الظاهري (مستوى الكسوف)، وتوجه محور دورانه بالنسبة للشمس، وظهور ذيل مضاد يتحدى البديهة، بالإضافة إلى نظام متماثل من النفاثات الصغيرة. هذه الخصائص، مقترنة بنسبة عالية من النيكل إلى الحديد، ترسم صورة يعتبرها لوب معقدة للغاية لتُصنف ببساطة على أنها “مذنب غريب”.
لا تهدف هذه الفرضية إلى استبعاد التفسيرات الطبيعية، بل إلى توسيع نطاق الاحتمالات الممكنة. في هذا الإطار، يطرح احتمال أن يكون 3I/ATLAS جسماً مصنعاً أو معدلاً داخل النظام الشمسي الخارجي نفسه، لا مجرد صخرة مجهولة وصلت من نجم آخر بعد رحلة استغرقت ملايين السنين.
من “زائر بين نجمي” إلى نتاج محتمل لسحابة أورت
يقدم لوب بديلاً سهل الصياغة لكن يصعب التحقق منه: ماذا لو كان 3I/ATLAS نتاج قاعدة تكنولوجية أقيمت في سحابة أورت؟ هذه المنطقة، التي تبعد مئات إلى آلاف الوحدات الفلكية (الوحدة الفلكية هي متوسط المسافة بين الأرض والشمس)، قد توفر الموارد اللازمة وتتيح تمويهاً مثالياً، حيث يمكن إخفاء هياكل اصطناعية بين تريليونات المذنبات الموجودة هناك.
يشير باربيري إلى أنه لو أُطلق الجسم من سحابة أورت الداخلية، على بعد حوالي 1000 وحدة فلكية، فإن زمن رحلته حتى نقطة الحضيض الشمسي الحالية سيكون بحدود 80 عاماً. هذا النطاق الزمني يتوافق مع مهام بيولوجية متعددة الأجيال، وليس فقط مع مجسات روبوتية تعمل لآلاف السنين. في هذا السيناريو، تكون بعثة بين نجمية سابقة قد أنشأت أولاً قاعدة متقدمة في سحابة أورت، ومنها تُصنع وتُطلق أجسام مثل 3I/ATLAS، مستخدمة بيانات ملاحية حديثة عن الكواكب الداخلية.
لا يجزم لوب بأن هذا هو السيناريو الحقيقي، لكنه يؤكد أنه يحل العديد من التناقضات: فهو يقلل من الحاجة إلى افتراض وجود مخزون هائل من المذنبات بين النجمية، ويوفر سياقاً للتوافقات الهندسية المرصودة، ويتماشى مع فكرة أن حضارة متقدمة قد تفضل العمل من “موقع أمامي” مستقر، بدلاً من إرسال مجسات مباشرة من نجمها الأصلي لرحلات تستغرق ملايين السنين.

“فناء خلفي” يكاد يكون غير مرئي: ما وراء 20 وحدة فلكية
يوجه لوب نقداً لاذعاً لما يسميه “وهم الاكتمال” في مسوحاتنا الفلكية. فحتى مع استخدام تلسكوبات الجيل الجديد مثل مرصد روبين (NSF–DOE)، تظل قدرتنا على اكتشاف الأجسام التي تعكس ضوء الشمس فقط محدودة عملياً، لتقتصر على الأجسام بحجم الكيلومتر الواحد ضمن مسافة 20 وحدة فلكية تقريباً.
وراء هذه المسافة – التي تزيد قليلاً عن نبتون الواقع على بعد 30 وحدة فلكية – يتناقص سطوع الجسم الخامل بمعدل القوة الرابعة للمسافة عن الشمس. هذا يعني أن جسماً عاكساً على بعد 100 وحدة فلكية يكون أضعف بـ 10,000 مرة مما هو عليه على بعد 10 وحدات فلكية. من هنا، يتحدث باربيري عن “تحيز لوتز-كيلكر” المطبق على الأجسام العابرة لنبتون: نحن نرى فقط قمة التوزيع، وتحديداً الجزء الأقل تمثيلاً إحصائياً.
وفقاً لتقديراتهما، قد توجد مئات أو آلاف الأجسام بين النجمية ضمن دائرة نصف قطرها 100 وحدة فلكية، لكننا ببساطة لا نراها. الأكثر إثارة للقلق في حجتهما هو الطابع الدائري: فالشكل الهندسي نفسه الذي يسمح لنا باكتشاف بعض الأجسام بين النجمية القريبة جداً من الشمس يستبعد بشكل منهجي الغالبية العظمى منها. يلخص لوب الأمر قائلاً: “لكي نعرف ما إذا كان ما نراه غريباً، يجب أن نعرف كيف يبدو ما لا نراه. لكن ما لا نراه، بحكم تعريفه، غير مرئي”.
في هذا السياق، يصبح حضيض 3I/ATLAS الشمسي عند 1.36 وحدة فلكية أمراً شاذاً: لماذا وصل جسم يُفترض أنه نموذجي إلى هذا الحد من القرب من الشمس، تحديداً حيث يمكننا اكتشافه؟
أجسام تكنولوجية عابرة لنبتون: مجسات تراقب من الظل
إذا أرادت حضارة أخرى مراقبة نظام كوكبي بتكتم، فإن المكان المنطقي لنشر مجساتها لن يكون مدار الكواكب الداخلية، بل المنطقة الواقعة بين 50 و200 وحدة فلكية، كما يرى باربيري. إنها منطقة باردة ومستقرة وغير مرئية لأدواتنا الحالية.
في هذا الفضاء، قد توجد مجموعة من “الأجسام التكنولوجية العابرة لنبتون” (TNTOs): مجسات أو قواعد مخفية بين المذنبات والأجرام الصغيرة، بمدارات مختارة بعناية لتبقى خارج نطاق رادارنا البصري. في هذه الحالة، لن نرى سوى ثلاثة أنواع من الحالات:
- أعطال أو فقدان للتحكم يقرب الجسم من الشمس.
- محاولات متعمدة للاتصال، عبر الاقتراب أو إرسال إشارات نشطة.
- تدهورات مدارية، سواء كانت مصممة أو عرضية، تدفع المسبار نحو الداخل.
من هذا المنظور، لا تكمن أهمية 3I/ATLAS في ديناميكيته أو نفاثاته فحسب، بل في حقيقة كونه مرئياً على الإطلاق. لو كان اصطناعياً، فإن “ظهوره المفرط” قرب الشمس سيكون جزءاً من اللغز الذي يحتاج إلى تفسير. وهكذا، تضعف مفارقة فيرمي الشهيرة: فعبارة “لا نرى شيئاً” تفقد قوتها إذا أقررنا بأننا ننظر في المكان الخاطئ.
ضوء اصطناعي مقابل ضوء منعكس: مدن على مسافة بلوتو
يذكر لوب أيضاً أداة لم تُستكشف كثيراً للكشف عن البصمات التكنولوجية: وهي عدم البحث عن الصخور التي تعكس ضوء الشمس فقط، بل عن مصادر الضوء الاصطناعي. في دراسة أجراها عام 2011 مع إد تيرنر، أظهر أن سطوع مدينة تُرى من بعيد يتناقص بمعدل معكوس مربع المسافة، بينما يتناقص سطوع جسم يعكس ضوء الشمس فقط بمعدل معكوس القوة الرابعة للمسافة.
عملياً، يعني هذا أن أعمق صور تلسكوب هابل الفضائي ستكون قادرة على رصد ما يعادل إضاءة مدينة مثل طوكيو على مسافة بلوتو، شريطة أن ينبعث الضوء بشكل مستمر وبطيف يختلف بما يكفي عن ضوء الشمس المنعكس.
يروي لوب حكاية كاشفة: عندما سأل الفلكي مايك براون، مكتشف العديد من الأجسام العابرة لنبتون و”جلاد” بلوتو، عما إذا كان قد تحقق من كيفية تغير سطوع تلك الأجسام مع المسافة، جاءه الرد قاطعاً: “لماذا أتحقق من ذلك؟ يجب أن يكون بمعدل القوة الرابعة”.
بالنسبة للوب، تختصر هذه العبارة مشكلة هيكلية: غطرسة الخبرة. فإذا افترضنا بشكل عقائدي أن جميع الأجسام العابرة لنبتون هي صخور خاملة، فلن يتحقق أحد مما إذا كان أي منها يتصرف وكأنه مضاء من الداخل.
العلم، التحيزات، والقيمة الاقتصادية للرصد الأفضل
رغم أن العديد من أفكار لوب تبدو غير مريحة للمنهجية العلمية التقليدية، إلا أن هذا الصدام له نتيجة عملية واضحة: تبرير استثمارات جديدة في التلسكوبات والمجسات التي توسع قدرتنا على الرؤية لما هو أبعد من 20-30 وحدة فلكية. فمن المشاريع الكبرى مثل مرصد روبين إلى البعثات المحددة إلى حزام كايبر أو سحابة أورت، قد تتضمن أجندة السنوات القادمة بشكل صريح البحث عن شذوذات ديناميكية أو ضوئية مرتبطة بأجسام تكنولوجية عابرة لنبتون محتملة.
بالنسبة لقطاعي الفضاء والتكنولوجيا، سيكون اكتشاف كهذا حدثاً تحويلياً بامتياز: سيعيد توجيه أولويات الاستكشاف، ويعيد إطلاق برامج الدفع المتقدم، ويفتح مجالاً كاملاً لـ “علم الآثار الفضائي” مع تداعيات علمية وفلسفية واقتصادية لا تقدر بثمن. وحتى لو لم نصل إلى هذا الحد، فإن مجرد اكتشاف المزيد من الأجسام الطبيعية الأفضل في هذه المناطق سيتيح تنقيح نماذج تشكل الكواكب وتقييم مخاطر الاصطدامات على المدى الطويل جداً بشكل أفضل.
تكمن أطروحة لوب الضمنية في أن للجهل ثمناً أيضاً. ففي بيئة تتنافس فيها الحكومات والشركات على الهيمنة على المدار الأرضي المنخفض والقمر، قد يكون إهمال ما يحدث وراء نبتون، في نهاية المطاف، قراراً استراتيجياً قصير النظر.
حتى لو كان 3I/ATLAS طبيعياً، الدرس لا يزال مزعجاً
من المفارقات أن لوب نفسه يقر بأن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو أن يكون 3I/ATLAS جسماً طبيعياً بخصائص قصوى. لكن حتى هذه النتيجة ستفرض مراجعة عميقة: فستعني أن قوائمنا للمذنبات والأجسام العابرة لنبتون قد قللت من تقدير تنوع التراكيب والأشكال الهندسية والديناميكيات المحتملة.
لا يدور الجدل الحقيقي حول ما إذا كان 3I/ATLAS مسباراً مموهاً أم لا، بل حول مدى الفضول الذي نحن على استعداد لاستثماره في التحقق من ذلك. يرى لوب أن رد فعل جزء من المجتمع العلمي كان دفاعياً، إن لم يكن ازدرائياً. ولهذا يختتم تأملاته بنقد عام للعلم الذي يتحصن بنجاحاته الخاصة: “التعلم يتطلب التواضع، وعقلية المبتدئ”، يلخص.
يقترح لوب أنه إذا اكتُشف يوماً ما جسم ينبعث منه ضوء اصطناعي، فإن رد الفعل الطبيعي سيكون إرسال مركبة لرؤيته عن كثب. وهو نفسه يعرض أن يكون “أول الواقفين في الطابور” للصعود على متنها. حتى يحين ذلك الوقت، يعمل 3I/ATLAS كمرآة: فهو لا يعكس ضوء الشمس فحسب، بل يعكس أيضاً حدود – وتحيزات – حضارة بدأت تنظر بجدية لما هو أبعد من نظامها الخاص… دون أن تكون متأكدة تماماً مما تريد أن تجده.








