عرب وعالم

جرينلاند و”مجلس السلام”: رسالة ماكرون المسربة تكشف تصعيداً دبلوماسياً واقتصادياً

تسريب ترامب لرسالة ماكرون يفتح جبهة جديدة في الصراع على جرينلاند ويهدد التجارة الأوروبية

محررة في قسم عرب وعالم، بمنصة النيل نيوز

بدأ هذا التطور بنشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لقطة شاشة عبر منصة “تروث سوشيال” تظهر تبادلاً للرسائل مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون. في هذه الرسائل، اقترح الرئيس الفرنسي تنظيم قمة لمجموعة السبع في باريس يوم الخميس، عقب انتهاء المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، ووجه دعوة لترامب لتناول العشاء. الأهم من ذلك، أن ماكرون وجه رسالة سياسية، مؤكداً مشاركته لموقف واشنطن في سوريا وإيران، لكنه أقر بأنه “لا يفهم ما تفعله في جرينلاند”.

يمثل هذا التسريب خرقاً لقاعدة دبلوماسية أساسية تتمثل في خصوصية التواصل بين رؤساء الدول. وتزداد خطورته كونه يأتي في خضم تصعيد متواصل، مع أزمة محددة حول جرينلاند أُطلق عليها بالفعل “أزمة جرينلاند”، بالإضافة إلى مناورات عسكرية لحلف الناتو في المنطقة، وتهديدات بفرض عقوبات متبادلة بين واشنطن والعواصم الأوروبية.

ويكشف هذا الموقف عن تباين صارخ مع فترات سابقة من التوتر عبر الأطلسي؛ فبينما كانت الحروب الجمركية السابقة تُدار عبر قنوات فنية تضم مسؤولين ومفوضين وهيئات منظمة التجارة العالمية، فإن الشرارة الحالية جاءت على شكل رسالة هاتفية نشرها الرئيس الأمريكي بنفسه للعالم. والنتيجة واضحة: باتت كل بادرة تُقرأ الآن على أنها وسيلة للضغط العام، لا للتفاوض السري.

جرينلاند، هاجس واشنطن الاستراتيجي الجديد

منذ ولايته الأولى، جعل ترامب من جرينلاند رمزاً، واصفاً إياها بأنها “أرض يجب أن تمتلكها” الولايات المتحدة لأسباب تتعلق بالأمن القومي. وتجمع الحجة الرسمية ثلاثة عناصر: ذوبان الجليد الذي يفتح مسارات بحرية جديدة، ووجود معادن حيوية، والقيمة العسكرية للسيطرة على القطب الشمالي في مواجهة روسيا والصين.

وفي رسالته الأخيرة، كرر الرئيس ترامب أنه “لا عودة إلى الوراء” وأن “الجميع متفقون” على أن جرينلاند ضرورية للأمن القومي والعالمي. وفي السياق ذاته، أكد ترامب إجراء مكالمة “جيدة جداً” مع الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، تركزت تحديداً على مستقبل الإقليم، وأعلن عن اجتماع مع “أطراف متعددة” في دافوس لمناقشة القضية.

لكن التقييم الأوروبي حاسم: تُنظر إلى حملة الاستحواذ على جرينلاند – سواء بالشراء أو، في السيناريو الأكثر تطرفاً، بالقوة – على أنها تحدٍ مباشر للسيادة الدنماركية ولجوهر حلف شمال الأطلسي نفسه. وقد حذرت كوبنهاجن، بدعم من عواصم أخرى، من أن أي محاولة للضم القسري ستعني بداية نهاية الحلف الأطلسي بشكله المعروف.

“مجلس السلام”، بديل ترامب للأمم المتحدة

يزداد السياق تعقيداً مع مبادرة ترامب الكبرى الأخرى: “مجلس السلام”، وهو هيئة دولية تقودها الولايات المتحدة، ويهدف رسمياً إلى “تعزيز الاستقرار والسلام الدائم في مناطق النزاع”. وقد نشأ هذا المجلس في خضم حرب غزة، ويحظى بتفويض من مجلس الأمن الدولي لدعم إعادة إعمار وإدارة القطاع.

يترأس ترامب هذا الكيان ويقدمه كأداة فعالة في مواجهة أمم متحدة مشلولة. لكن فرنسا قررت البقاء على الحياد، حيث تخشى باريس من أن يحل المجلس فعلياً محل الأمم المتحدة، وأن يؤسس بنية موازية مصممة في البيت الأبيض بقواعد تحددها واشنطن.

الأخطر، في نظر العديد من العواصم الأوروبية، هو طريقة حشد الدعم: فقد بدأ ترامب يربط علناً المشاركة في “مجلس السلام” بالمعاملة التجارية للولايات المتحدة، لدرجة تهديد فرنسا برفع الرسوم الجمركية على خمورها وشمبانياها بنسبة 200% إذا لم ينضم ماكرون إلى مبادرته الخاصة بغزة… والآن أيضاً بجرينلاند.

النبيذ الفرنسي، رهينة نزاع جيوسياسي

وراء عنوان “تعريفة 200%”، يقف قطاع عانى بالفعل من كابوس مماثل خلال الموجة السابقة من العقوبات الأمريكية: قطاع النبيذ والمشروبات الروحية الفرنسية. وتعد الولايات المتحدة السوق الخارجية الأولى للنبيذ والمقطرات الفرنسية، حيث تجاوزت الصادرات في عام 2024 مبلغ 2.3 مليار يورو للنبيذ وحده، ووصلت إلى 3.8 مليار يورو عند إضافة المشروبات الروحية، وفقاً لبيانات الصناعة.

لا تمثل تعريفة بنسبة 200% مجرد أداة ضغط دبلوماسي؛ بل ستؤدي إلى ارتفاع هائل في أسعار المنتجات الفرنسية، وتنازل عن حصة السوق للمنافسين الإيطاليين والإسبان أو الأمريكيين، وتهديد آلاف الوظائف في مناطق زراعة الكروم الرئيسية. وتذكر مصانع النبيذ أن أكثر من 70% من النبيذ المعبأ الذي تستورده الولايات المتحدة يأتي من الاتحاد الأوروبي، وأن السوق الأمريكية تمثل بالفعل حوالي ثلث القيمة الإجمالية للنبيذ المستورد عالمياً.

ويكاد التباين مع دعوة ماكرون لتناول العشاء في باريس أن يكون سخرية القدر: فالمنتج ذاته الذي يمكن أن يستخدم لإبرام اتفاقيات دبلوماسية، تحول إلى ورقة مساومة في حرب سياسية تدور رحاها حول جرينلاند والسيطرة على “مجلس السلام” الجديد.

الاتحاد الأوروبي بين الدفاع و500 مليار يورو من التجارة

لم يتأخر الرد الأوروبي؛ فقد دعا قادة الاتحاد الأوروبي إلى قمة طارئة في بروكسل يوم الخميس، تركز على جبهتين: الاستجابة للتصعيد بشأن جرينلاند، ووضع استراتيجية لمواجهة التهديدات الجمركية الجديدة من واشنطن.

ينطلق الاتحاد الأوروبي من نقطة ضعف واضحة: فهو يصدر سلعاً إلى الولايات المتحدة بأكثر من 500 مليار يورو سنوياً، ضمن علاقة اقتصادية تبلغ قيمتها حوالي 1.5 تريليون دولار سنوياً في السلع والخدمات، وهي الأكبر على الكوكب. والنتيجة واضحة: أي خطوة يتخذها ترامب بشأن الرسوم الجمركية – وقد أعلن بالفعل عن فرض تعريفة عامة بنسبة 30% على المنتجات الأوروبية في عام 2025، ورسوماً جديدة تتراوح بين 10% و25% على الدول المشاركة في الدفاع عن جرينلاند – سيكون لها تأثير فوري على النمو والتضخم والمالية العامة الأوروبية.

كما أن التباين مع الرسالة الرسمية لحلف الناتو له دلالته. فبينما يصر روته على ضرورة الحفاظ على وحدة الحلفاء وإبقاء جرينلاند ضمن إطار القانون الدولي، يقدم ترامب الإقليم كقطعة تفاوضية أخرى على رقعة شطرنجه الشخصية. وبين هاتين الرؤيتين، يسعى الاتحاد الأوروبي جاهداً لعدم الاكتفاء بدور المتلقي البسيط للقرارات المتخذة في واشنطن.

دافوس وبروكسل: أسبوع حاسم

لم يكن اختيار دافوس مسرحاً لهذه الأحداث محض صدفة. سيصل ترامب إلى المنتدى الاقتصادي العالمي بنية معلنة لجمع “الأطراف المختلفة” لمناقشة جرينلاند، وعقد جلسة لمجلس السلام الخاص به حول غزة، وتكثيف الضغط على الدنمارك وحلفائها.

وفي الوقت نفسه، بدأت الأسواق بالفعل في استيعاب احتمالية حدوث صدام جديد عبر الأطلسي. فخلال الساعات الماضية، تراجعت البورصات العالمية، وضعف الدولار، وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية، ويعزى ذلك إلى حد كبير إلى المخاوف من تصاعد أزمة جرينلاند وحرب تجارية قد تتوسع لتشمل قطاعات رمزية مثل النبيذ والسيارات والسلع الفاخرة الأوروبية.

التشخيص لا لبس فيه: إذا لم تقدم دافوس وبروكسل حلاً معقولاً، فإن النزاع حول إقليم يقطنه 56 ألف نسمة قد يؤدي إلى صدام اقتصادي من الدرجة الأولى بين الكتلتين الغربيتين الرئيسيتين، في وقت لا تزال فيه أوروبا تتحمل تكاليف حرب أوكرانيا والتضخم في أسعار الطاقة.

الناتو

مقالات ذات صلة