
مرة أخرى، يجد التحكيم الإنجليزي نفسه في عين العاصفة، وكأن الجدل قدر لازم للمباريات الكبرى. فبعد الضجة التي أثارها قرار إلغاء هدف لليفربول أمام مانشستر سيتي في قمة البريميرليغ، خرج هاورد ويب، رئيس لجنة الحكام المحترفين (PGMOL)، ليوضح الملابسات، في محاولة لتهدئة النفوس التي لا تزال غاضبة وتطالب بالعدالة.
الواقعة التي أشعلت شرارة الجدل تعود إلى مباراة القمة بين ليفربول ومانشستر سيتي، التي انتهت بالتعادل الإيجابي بهدف لمثله. حينها، سجل المدافع الهولندي فيرجيل فان دايك هدفاً بدا صحيحاً، لكن حكم المباراة كريس كافانا ألغاه بداعي وجود أندرو روبرتسون في موقف تسلل، وتأثيره على حارس مرمى السيتي، إيدرسون. القرار، الذي أيده حكم الفيديو المساعد (VAR) مايكل أوليفر، ترك جماهير الريدز في حيرة وغضب، متسائلين عن معايير التسلل الجديدة.
لم يمر القرار مرور الكرام، فقد سارع نادي ليفربول بتقديم شكوى رسمية لرابطة الحكام المحترفين، مؤكداً أن معايير المخالفة لم تكن مكتملة وأن الهدف كان يجب احتسابه. هنا تكمن الإشكالية الكبرى في كرة القدم الحديثة؛ فتقدير مدى تأثير اللاعب المتسلل على سير اللعب أو رؤية الحارس يظل منطقة رمادية، تعتمد على التفسير البشري أكثر من القواعد الصارمة، مما يثير تساؤلات حول طبيعة العدالة في اللعبة.
ويب يوضح
في برنامج “Match Officials Mic’d Up” الشهير، حاول هاورد ويب فك شفرة القرار، موضحاً أن مثل هذه الحالات تعتمد على “تقديرات شديدة الذاتية”. وأضاف، بأسلوب ينم عن محاولة لتبرير الموقف، أن الحكم مطالب بحسم ما إذا كان اللاعب المتسلل قد أثر بالفعل على المنافس. هذا التفسير، وإن كان منطقياً من الناحية النظرية، يفتح الباب واسعاً أمام تباين القرارات وتضارب الآراء، وهو ما يثير حفيظة الجماهير والمتابعين على حد سواء.
شرح ويب تفاصيل الواقعة، مشيراً إلى أن الكرة جاءت من ركلة ركنية لفان دايك، ومع خروج لاعبي السيتي، بقي روبرتسون في موقف تسلل داخل منطقة الست ياردات. ما لفت الانتباه، بحسب ويب، هو فعل روبرتسون الذي لم يلمس الكرة، لكنه “انحنى بوضوح بينما الكرة تمر فوق رأسه بثلاث ياردات عن المرمى”. هذا الفعل، الذي حدث في قلب منطقة الجزاء القريبة جداً من الحارس إيدرسون، اعتبره الحكام معيقاً لقدرة الحارس على القفز أو اتخاذ القرار المناسب، وهو ما يجسد صعوبة اتخاذ القرار في جزء من الثانية.
هنا يأتي دور الـVAR، الذي تدخله مشروط بوجود “خطأ واضح وفاضح”. ويب أكد أن هذا الشرط لم يتوفر في الحالة، فالحقيقة الوحيدة التي كانت أمام حكم الفيديو هي أن اللاعب كان في مواجهة الحارس مباشرة، واضطر للانحناء تحت الكرة. لذلك، لم يرَ حكم الفيديو أن قرار التسلل خاطئ بشكل واضح. هذا يلقي الضوء على القيود المفروضة على تقنية الفيديو، التي لا تستطيع التدخل في كل قرار تقديري، مما يترك مساحة للجدل البشري المستمر.
مقارنات خاطئة
لم يغب الجدل عن المقارنات، حيث أثيرت تساؤلات حول تشابه هذه الحالة مع هدف لمانشستر سيتي أمام وولفرهامبتون الموسم الماضي، حيث كان برناردو سيلفا في موقف مشابه، لكن الهدف احتُسب بعد مراجعة الـVAR. هذه المقارنات، وإن بدت منطقية للوهلة الأولى، غالباً ما تتجاهل الفروقات الدقيقة التي يراها الحكام، والتي قد تغير مسار القرار تماماً، وكأن كل حالة لها بصمتها الخاصة التي لا تتكرر.
ويب سارع لتوضيح الفارق، مؤكداً أن “هناك اختلافاً واضحاً”. ففي حالة وولفرهامبتون، مرت الكرة مباشرة فوق رأس الحارس جوزيه سا، وليس فوق رأس برناردو سيلفا. الأخير تحرك بعيداً عن خط الكرة، ولم يضطر للانحناء مثل روبرتسون، وبالتالي لم يتأثر الحارس بأي فعل من اللاعب. هذا التمييز الدقيق يوضح كيف أن كل حركة صغيرة للاعب يمكن أن تكون حاسمة في تقدير الحكم، وهو ما يجعل مهمتهم شاقة للغاية في ظل الضغوط الهائلة.
تداعيات القرار
يُرجّح مراقبون أن هذه الحادثة، وغيرها من القرارات المثيرة للجدل، ستعيد فتح النقاش حول طبيعة تطبيق تقنية الـVAR في كرة القدم الإنجليزية والعالمية. فبينما تسعى التقنية لتحقيق العدالة وتقليل الأخطاء البشرية، فإنها في كثير من الأحيان تزيد من تعقيد المشهد، وتضع الحكام في مواجهة انتقادات لاذعة، وكأنها لم تكن موجودة. السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل يمكن تحقيق التوازن بين سرعة اللعب ودقة القرار في ظل هذه المعايير الذاتية؟ يبدو أن الإجابة لا تزال بعيدة المنال، وستظل هذه اللحظات محفورة في ذاكرة الجماهير كدليل على أن كرة القدم، رغم كل التقنيات، تظل لعبة بشرية بامتياز.
في الختام، يظل قرار إلغاء هدف ليفربول نقطة سوداء في سجل التحكيم لهذا الموسم، بغض النظر عن التبريرات. فالأثر النفسي على اللاعبين والجماهير، وتأثيره المحتمل على مسار المنافسة في الدوري الإنجليزي الممتاز، لا يمكن تجاهله. هذه الحالات تذكرنا دائماً بأن كرة القدم ليست مجرد أهداف وانتصارات، بل هي أيضاً لحظات جدل وتوتر، تعكس شغف الملايين وتطلعاتهم، وتجعلنا نتساءل دوماً عن معنى العدالة في المستطيل الأخضر، وعن مدى قدرة التكنولوجيا على حسم الجدل البشري.








