فن

جدة: نبض السينما العالمية الجديد.. رؤية مهرجان البحر الأحمر تتجلى

جمانا الراشد ترسم ملامح مستقبل السينما من قلب العروس

مع إسدال الستار على الدورة الخامسة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، غمرت قاعة الحفل الختامي طاقةٌ استثنائية، مزيجٌ من الإنجاز والفخر والترقب. في تلك اللحظة المحورية، اعتلت جمانا الراشد، رئيس مجلس أمناء مؤسسة البحر الأحمر، المنصة، لتلقي كلمة لم تكن مجرد خطاب ختامي، بل كانت بيانًا واضحًا لرسالة المهرجان ورؤيته الطموحة. بكلمات واثقة، أعلنت الراشد أن جدة، هذه المدينة التاريخية التي تحتضن أصالة الماضي وحداثة المستقبل، قد أصبحت اليوم “بيتًا جديدًا وأصيلًا للسينما العالمية”. لم يكن هذا مجرد وصف جغرافي، بل كان إعلانًا عن تحول ثقافي عميق، مركزًا حيويًا ينبثق من قلب العروس.

جسرٌ سينمائي عالمي

لم تكتفِ الراشد بتأكيد مكانة جدة، بل رسمت ملامح رؤية أوسع وأكثر شمولًا. أكدت أن المهرجان ليس مجرد محطة سنوية، بل هو منظومة سينمائية متكاملة تتواصل في البناء، ممتدة بجسورها الإبداعية من العالم العربي إلى آسيا وإفريقيا. هذه المنظومة تهدف إلى منح الأصوات الناشئة فرصًا أوسع للوصول والانتشار، لتتجاوز حدود المحلية إلى آفاق العالمية. إنه سعي حثيث لنسج خيوط سردية متنوعة، تتيح للمواهب الصاعدة منصة لا مثيل لها، وعدسة أوسع يمكن من خلالها لقصصهم أن تصل أخيرًا إلى العالم، وهي مهمة تُفصّل بفخر على الموقع الرسمي لمهرجان البحر الأحمر السينمائي.

“السيدات والسادة، أعزائي صناع السينما وأصدقاء المهرجان، نجتمع الليلة لنحتفي بغريزة إنسانية ضاربة في التاريخ: الحاجة إلى رواية القصص.” هكذا استهلت الراشد كلمتها أمام حشد من ضيوف الحفل الختامي، بعبارة حملت في طياتها عمقًا فلسفيًا. كان تذكيرًا قويًا بأن السينما، في جوهرها، هي امتداد لهذا الدافع البشري الخالد، موقد حديث نتجمع حوله لنشارك، لنتعلم، ولنحلم. المهرجان، في جوهره، يعيد إحياء هذا التقليد المقدس، ويدفعه بثقة وإبداع نحو مستقبل غير مأهول بحدود للإبداع.

نبضٌ يتسع

الدورة الخامسة، كما لاحظت الراشد، نبضت بطاقة استثنائية. شعورٌ سائدٌ بين الحضور أكد أن المهرجان قد أصبح بالفعل موطنًا جديدًا للسينما، مكانًا يقصده الناس بدافع واضح: مشاركة أعمالهم، اكتشاف مواهب جديدة، وتحدي حدود السرد السينمائي. يمكن للمرء أن يشعر بالهمهمة الجماعية للترقب، والتصميم الهادئ لصناع الأفلام المتحمسين لمشاركة رؤاهم، وإثارة الجماهير التي تكتشف مناطق سردية غير مستكشفة، والروح الجريئة التي تتحدى حدود السرد بجمال. إنه مكان تتشكل فيه الروابط، وتتلاشى فيه الحدود الفنية بأناقة.

الأرقام الصارخة للدورة الخامسة رسمت صورة حية لهذه الحركة المزدهرة. 111 فيلمًا من أنحاء العالم، بينها أكثر من 40 عرضًا أول عالميًا ودوليًا، أضاءت الشاشات. تخيلوا الأجواء الحماسية لـ 290 عرضًا سينمائيًا، والاندفاع نحو 30 ألف تذكرة، كل منها تمثل رحلة إلى عالم جديد. أكثر من 6500 اعتماد مهني و1800 ضيف دولي من 97 دولة، إلى جانب أكثر من 40 ألف مشارك من قطاع الصناعة، اجتمعوا في هذا الملتقى الثقافي الكبير. هذه الأرقام، كما أكدت الراشد، “ليست مجرد بيانات جامدة، لكنها صورة حقيقية لمجتمع سينمائي ينمو ويتسع، مخرجون يجدون شركاء، مشاريع تجد داعمين، وجمهور يفتح عينيه لوجهات نظر جديدة.” إنها شهادة حية على حركة فنية لا تتوقف.

رؤيةٌ تتجلى

وشددت الراشد على أن نمو المهرجان لم يكن مصادفة، بل كان “بقصدٍ واضح ورؤية مدروسة”. الطريقة التي تتجاوز بها الثقافة والصناعة هنا ليست صدفة، بل هي تصميم متعمد لبناء نظام متكامل يدعم صناع الأفلام، ويمنحهم أدوات وفرصًا تتجاوز حدود العرض إلى التلاقي وتبادل الخبرات والتعاون المهني. إنه بناء جسور، لا مجرد عرض فنون. أدركت الراشد المشهد المتغير للسينما والجمهور، ومع الأدوات الجديدة التي تظهر كل يوم، رأت آفاقًا أوسع من أي وقت مضى لفتح الأبواب أمام مزيد من المواهب من مزيد من الأماكن، ليبدعوا ويبتكروا ويلهموا.

ولم تغفل الراشد لحظة من الامتنان العميق للأبطال المجهولين الذين يعملون بلا كلل خلف الكواليس. “لا يتحقق أي من هذا دون أبطال ما وراء الشاشة.. إلى كل عضو في الفريق، وإلى كل متطوع، إن احترافيتكم وروحكم هي ما يصنع ملامح هذا المهرجان.” كان هذا اعترافًا مؤثرًا بالجهد الجماعي الذي يبعث الحياة في هذا الحدث الكبير.

تكريمٌ يضيء

كانت الأمسية أيضًا منصة مضيئة لتكريم الفنانين الذين أثرت أعمالهم في الجمهور وحركت مشاعرهم وتحدت أفكارهم. “الليلة نكرم الفنانين الذين حركت أعمالهم مشاعرنا وتحدت أفكارنا.” هكذا أعلنت الراشد. وإلى جميع المرشحين، قدمت إشادة: “أنتم ترفعون سقف التوقعات.” وإلى الفائزين، تهنئة حارة. كان احتفالًا بالشجاعة والابتكار والقوة الدائمة للفن السينمائي في تشكيل التصورات.

عدسةٌ تتسع

اختتمت جمانا الراشد كلمتها برسالة قوية تؤكد جوهر المهرجان ودوره المحوري في المشهد السينمائي الإقليمي والدولي. “السينما تبقى واحدة من أقوى الطرق لفهم بعضنا البعض.” بهذه الكلمات التي تحمل ثقل التجربة الإنسانية المشتركة، أكدت أن المهرجان سيواصل “توسيع العدسة” لدعم رواة القصص من الشرق الأوسط وآسيا وإفريقيا، و”فتح ساحات أوسع للمواهب الجديدة” كي تعبر عن نفسها وتصل إلى العالم. هذا الالتزام يضمن أن نبض جدة السينمائي سيزداد قوة، منارةً للسرد القصصي في عالم متعطش للتواصل والإلهام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *