جبال الهيمالايا: شبكة احتيال منظمة تحوّل عمليات الإنقاذ الجوي إلى تجارة فساد في نيبال

الجانب المظلم لسياحة المغامرات: كيف تحولت عمليات إنقاذ الأرواح إلى تجارة فساد منظمة في جبال الهيمالايا.

صحفي في قسم التكنولوجيا بمنصة النيل نيوز، يتابع أحدث الأخبار التقنية

ثلاثة وثلاثون اسماً على لائحة الاتهام، تسعة منهم خلف القضبان. جريمة منظمة وليست حادثاً عابراً، هذا ما كشفته تحقيقات المكتب المركزي للتحقيق (CIB) في نيبال. عمليات إنقاذ جوي، يفترض بها أن تكون شريان حياة للمغامرين في أعالي الهيمالايا، تحولت إلى بؤرة فساد تستنزف ملايين الدولارات من شركات التأمين العالمية.

التحقيقات لم تتوقف عند كشف الحجم الهائل للاحتيال، بل أزاحت الستار عن آليات خداع معقدة. يتم تصنيع حالات طوارئ طبية وهمية، أو تضخيم أعراض بسيطة لمرض المرتفعات. الأدلة تشير إلى مرشدين وفنيي فنادق يدربون على ترويع المتسلقين عند ظهور أي أعراض خفيفة لمرض المرتفعات، مقنعينهم بأن الموت يحدق بهم وأن الإخلاء الفوري هو الحل الوحيد. بعض الحالات وثّقت إعطاء أقراص “دياموكس” مع جرعات مفرطة من الماء لتعزيز الأعراض المبررة للإنقاذ. وفي حالة صادمة، استخدم مسحوق الخبز في الطعام لإصابة السياح بالوعكة الصحية.

بمجرد استدعاء “الإنقاذ”، تبدأ الرقصة المالية. طائرة هليكوبتر واحدة تحمل عدة ركاب، لكن فواتير منفصلة وبالسعر الكامل تُقدم لكل شركة تأمين، وكأن كل سائح حصل على رحلته الخاصة. رحلة تكلف 4000 دولار تتحول إلى مطالبة بـ12000 دولار. يجري تزوير بيانات الرحلات وقوائم الركاب. في المستشفيات، تُعد ملخصات الخروج باستخدام توقيعات رقمية لأطباء كبار لم يشاركوا في الحالات مطلقاً، وأحياناً دون علمهم. تُنشأ سجلات دخول وهمية لسياح، شوهد بعضهم في مقاهي المستشفى يشربون الجعة بينما يفترض أنهم يتلقون العلاج. موظف في مستشفى شريدي اعترف بتقديم تقرير أشعة سينية خاص به، التقط قبل عام في مستشفى آخر، لاستخدامه في حالة سائح أجنبي للمطالبة بالتأمين.

الهيكل العميق لشبكة الاحتيال هذه يقوم على نظام عمولات محكم. المستشفيات تدفع 20 إلى 25% من مدفوعات التأمين لشركات الرحلات، ومثلها لشركات تشغيل طائرات الهليكوبتر مقابل إحالة المرضى. المرشدون وشركاتهم يستفيدون من فواتير مضخمة. وفي بعض الحالات، يُعرض على السياح أنفسهم حوافز نقدية للمشاركة في هذا المخطط، مما يجعلهم شركاءً طوعيين في الجريمة.

الأرقام التي كشفتها تحقيقات المكتب المركزي للتحقيق صادمة. بين عامي 2022 و2025، تم تحديد 4782 مريضاً أجنبياً عولجوا في المستشفيات المتورطة. 171 حالة منهم أكدت أنها عمليات إنقاذ وهمية. مستشفى إيرا الدولي وحده تلقى ودائع تجاوزت 15.87 مليون دولار، بينما حصل مستشفى شريدي الدولي على أكثر من 1.22 مليون دولار. على صعيد شركات الإنقاذ، أجرت “ماونتن ريسكيو سيرفيس” 171 عملية احتيال من أصل 1248 رحلة، مطالبة بـ10.31 مليون دولار. “نيبال تشارتر سيرفيس” نفذت 75 عملية احتيال بقيمة 8.2 مليون دولار. “إيفرست إكسبرينس آند أسيستانس” ارتبطت بـ71 عملية مشبوهة بمطالبات تجاوزت 11 مليون دولار. يوثق تحقيق الشرطة حالة واحدة تم فيها إنقاذ أربعة سياح في رحلة هليكوبتر واحدة، في نفس اليوم، بنفس الطائرة، لكن الفواتير قدمت على أنها عمليات إنقاذ منفصلة، بإجمالي 31,100 دولار، بالإضافة إلى فاتورة مستشفى منفصلة بـ11,890 دولار.

هذه ليست المرة الأولى التي تتكشف فيها هذه الفضيحة. في عام 2018، كشفت صحيفة “كاتماندو بوست” الأمر، وشكلت الحكومة لجنة تقصي حقائق. أنتجت اللجنة تقريراً من 700 صفحة، وأعلنت عن إصلاحات طموحة. لكن شيئاً من ذلك لم يعمل. الفساد استمر، بل ازدهر، بحسب رئيس المكتب المركزي للتحقيق، مانوج كومار كيه سي. فقدان الإجراءات العقابية الحازمة سمح للجريمة بأن تتجذر وتنمو. التحقيق الحالي بدأ بعد شكوى جديدة قدمتها مجموعة مدنية في سبتمبر 2025، مما دفع المكتب لإعادة فتح ملفات كانت قد أُغلقت لسنوات.

لماذا يصعب التحقق من مطالبات التأمين؟ في جبال الهيمالايا، حيث الاتصالات معدومة والإشارة ضعيفة، يُعد الاتصال بشركة التأمين قبل الإخلاء أمراً شبه مستحيل. بحلول الوقت الذي يتم فيه إخطار شركة التأمين، يكون الإخلاء قد اكتمل، والمريض في مستشفى على بعد مئات الأميال في كاتماندو، وتكون شركة إنقاذ محلية أو مشغل رحلات قد بدأ بالفعل في إعداد الأوراق. تعتمد شركات التأمين الأجنبية على شركات مساعدة نيبالية محلية لمراجعة الفواتير والتقارير، لكن هذه الشركات المحلية تعمل ضمن نفس البيئة التجارية التي تتورط فيها المستشفيات وشركات الإنقاذ. مصالح جميع الأطراف – من شركات الإنقاذ إلى المستشفيات وشركات الرحلات – تتلاقى في تعظيم الأرباح، بينما مصالح شركة التأمين هي وحدها التي تتضرر.

ليست كل الحالات ضحايا بريئة. تكشف الأدلة في تحقيقات المكتب المركزي للتحقيق أن بعض السياح الأجانب كانوا مشاركين طوعيين. محادثة “واتساب” استُعيدت خلال التحقيق تظهر سائحة ألمانية، “بيترا هومنز”، تشتكي لرابيندرا أدهيكاري، رئيس “نيبال تشارتر سيرفيس” وأحد الشخصيات الرئيسية في الشبكة، من أنها تعرضت لفاتورة مضاعفة. اعترف أدهيكاري باحتمال وجود فاتورة مزدوجة وعرض استرداد المبلغ. على الجانب الآخر، قدم سائحان كنديان شكوى استباقية في أواخر عام 2025، يزعمان إجلاءً طبياً احتيالياً خلال رحلتهما في نوفمبر، واصفين نمطاً مألوفاً من قراءات الأكسجين المنخفضة بشكل خطير، وفحوصات غير ضرورية، وقبول في وحدات العناية المركزة.

تُثير هذه الفضيحة تساؤلات جدية حول مستقبل صناعة الرحلات الجبلية في نيبال. الاحتيال الموثق لم يكن عمل عدد قليل من الفاعلين المارقين، بل شبكة منظمة تعتمد على العمولات، وتورط فيها مهنيون طبيون مرخصون وشركات مسجلة. الإصلاحات التي أعلنت عام 2018 لم تُطبق أبداً. هل ستحدث الملاحقات القضائية الحالية فرقاً؟ يعتمد ذلك على مدى صرامة المحاكم النيبالية في فرض عقوبات رادعة، وعلى قدرة وزارة السياحة على بناء بنية تحتية للتحقق من المطالبات قبل دفعها. مع تشكيل حكومة جديدة هذا الأسبوع، الأنظار تتجه نحو كيفية معالجة هذه الحوادث وما إذا كانت التحقيقات ستصل إلى نتيجة ذات معنى. هذه الفضيحة تهدد سمعة نيبال كوجهة رئيسية لسياحة المغامرات، وتكشف عن هشاشة النظام الرقابي في قطاع حيوي لاقتصادها.

Exit mobile version