جامعة بنها تستضيف مؤتمرًا حول الذكاء الاصطناعي وأخلاقيات البحث العلمي

شهدت جامعة بنها انطلاق فعاليات المؤتمر السنوي الرابع لطلاب الدراسات العليا في العلوم الإنسانية، بتركيز لافت على تحديات وفرص الذكاء الاصطناعي. يناقش المؤتمر، الذي يستمر ليومين، محاور حيوية تتعلق بأخلاقيات البحث العلمي ودور التكنولوجيا في تحقيق التنمية المستدامة، وسط حضور رفيع المستوى يؤكد أهمية هذه القضايا.
افتتح المؤتمر المهندس أيمن عطيه، محافظ القليوبية، والدكتور ناصر الجيزاوي، رئيس جامعة بنها، بحضور الدكتورة جيهان عبد الهادي، نائب رئيس الجامعة لشئون الدراسات العليا والبحوث، ولفيف من عمداء الكليات والقيادات الأكاديمية والإدارية. تعكس هذه المشاركة الرسمية التزام الدولة والمؤسسات التعليمية بتعزيز البحث العلمي وربطه بقضايا التنمية الوطنية.
شهدت الجلسات الافتتاحية محاضرات قيمة قدمها خبراء دوليون ومحليون، أبرزهم الدكتور يونج بنج شياو، عميد كلية الحقوق بجامعة ووهان الصينية، والدكتور إيهاب أبو عيش، نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل، الذي تناول أخلاقيات البحث العلمي. كما ألقت الدكتورة أمل جمال عياد، أستاذ الموسيقى العربية بجامعة حلوان، محاضرة حول العلاقة بين الموسيقى والذكاء الاصطناعي، مسلطة الضوء على التعاون أو التنافس المحتمل بينهما.
رؤية المحافظة: الابتكار والتحول الرقمي
أكد المهندس أيمن عطية، محافظ القليوبية، أن المحافظة تضع الابتكار والتحول الرقمي في صميم أولوياتها، باعتبارهما ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة الشاملة، بما يتماشى مع رؤية مصر 2030. هذا التوجه يعكس استراتيجية الدولة لدمج التكنولوجيا الحديثة في كافة القطاعات لتعزيز الكفاءة وتقديم خدمات أفضل للمواطنين.
وأشار المحافظ إلى الجهود المبذولة لدمج التكنولوجيا، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، في قطاعات الخدمات الحكومية، بهدف خدمة المواطنين وحل المشكلات المعقدة التي تواجه المحافظة. وشدد على الدور المحوري لجامعة بنها كـ “الشريك الاستراتيجي وبيت الخبرة الأساسي للمحافظة”، مؤكداً أنها الوجهة الأولى لطلب الدعم والاستشارات العلمية في خطط التنمية والتحول الرقمي.
ولم يغفل المهندس عطية التحديات الأخلاقية التي يفرضها التقدم التكنولوجي، خاصة في مجال البحث العلمي، داعياً إلى ضرورة الالتزام بالمبادئ الأخلاقية الصارمة ووضع أطر واضحة تضمن الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي. هذا التأكيد يأتي في سياق عالمي متزايد يطالب بمساءلة التكنولوجيا وضمان عدم تجاوزها للقيم الإنسانية.
وطالب المحافظ بضرورة تضمين أخلاقيات الذكاء الاصطناعي ضمن المناهج التدريبية والتأهيلية للباحثين والطلاب، مشدداً على أن الباحث البشري هو المسؤول الأول عن نزاهة العمل ودقته، ولا يمكن اعتبار أنظمة الذكاء الاصطناعي مؤلفاً. هذه الدعوة تهدف إلى بناء جيل من الباحثين يمتلك الوعي الأخلاقي اللازم للتعامل مع أدوات البحث المتقدمة بمسؤولية.
العلوم الإنسانية: حجر أساس التنمية
من جانبه، أكد الدكتور ناصر الجيزاوي، رئيس جامعة بنها، أن المؤتمر أصبح منصة راسخة للحوار الأكاديمي وتبادل الرؤى بين الباحثين في مختلف التخصصات الإنسانية. وأشار إلى أن العلوم الإنسانية كانت ولا تزال حجر الأساس في بناء المجتمعات وتشكيل وعيها الثقافي والفكري، مما يمنح الإنسان القدرة على فهم ذاته ومجتمعه ومواجهة تحديات العصر.
وأضاف الجيزاوي أن الاستثمار في المعرفة ومخرجات البحث العلمي لم يعد خياراً، بل ضرورة ملحة لتحقيق التنمية المستدامة وبناء مستقبل مزدهر. فالمعرفة هي الثروة الحقيقية التي لا تنضب، والبحث العلمي هو الأداة التي تحول الأفكار إلى حلول، والتحديات إلى فرص، مما يعزز جودة الحياة والوعي المجتمعي ويخلق اقتصاداً قائماً على الابتكار.
وأوضح رئيس الجامعة أن كل فكرة بحثية قابلة للتطبيق تحمل في طياتها إمكانية إحداث تغيير إيجابي في حياة الفرد، ودفع عجلة الإنتاج، ورفع كفاءة المؤسسات، مما ينعكس في نهاية المطاف على قوة الاقتصاد الوطني ومكانة الدولة في مصاف الدول المتقدمة. هذا الربط المباشر بين البحث العلمي والتنمية الاقتصادية يؤكد الدور الحيوي للجامعات في دعم عجلة التقدم.
وفي سياق التحولات الرقمية المتسارعة، أبرز الدكتور الجيزاوي دور الذكاء الاصطناعي كأداة ثورية في تطوير البحث العلمي، حيث يمكن للباحثين تحليل كميات هائلة من البيانات وتوليد الفرضيات بدقة وسرعة غير مسبوقتين. لكنه شدد على المسؤولية الأخلاقية الكبيرة في الاستخدام الواعي والمسؤول لهذه الأدوات، بما يضمن احترام حقوق الملكية الفكرية وتوثيق المصادر والحفاظ على النزاهة الأكاديمية.
أنسنة المعرفة وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي
من جانبها، أكدت الدكتورة جيهان عبد الهادي، نائب رئيس الجامعة لشئون الدراسات العليا والبحوث، أن المؤتمر انطلق برؤية واضحة تؤمن بأن العلوم الإنسانية هي روح التقدم وجوهر التنمية المستدامة، والقادرة على بناء الإنسان الواعي. وأشارت إلى أن المؤتمر يأتي تحت شعار “أخلاقيات البحث العلمي في سياق الذكاء الاصطناعي والتنمية المستدامة”، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى أنسنة المعرفة.
وأعربت الدكتورة عبد الهادي عن فخرها بتنامي عدد الأبحاث المشاركة وتنوع محاورها، وتزايد الإقبال من الباحثين من داخل الجامعة وخارجها، وحتى من جامعات عربية ودولية شريكة. هذا التوسع يعكس الإيمان العميق بأهمية التعاون العلمي وأن البحث الحقيقي لا يعرف حدوداً جغرافية أو قيوداً فكرية، مما يعزز مكانة جامعة بنها كمركز إشعاع علمي.
وتطلعت نائب رئيس الجامعة أن يكون هذا المؤتمر منصة حقيقية للحوار ومختبراً للأفكار الجديدة وفرصة لبناء جسور تواصل بين العلوم والعقول والثقافات. ووجهت رسالة واضحة مفادها أن الإنسانية والعلم وجهان لعملة واحدة، وأن المستقبل يبدأ من فكرة ويتحقق ببحث ويستمر بأخلاق، مؤكدة على ضرورة التوازن بين التقدم التكنولوجي والقيم الإنسانية.
ووجهت الدكتورة جيهان عبد الهادي الشكر لكل من ساهم في تنظيم هذا الحدث، من أعضاء هيئة التدريس والباحثين وطلاب الدراسات العليا، الذين يمثلون القلب النابض للمؤتمر. كما خصت بالشكر شركاء الجامعة من جامعة ووهان بالصين على تعاونهم المثمر، مما يعكس حرص جامعة بنها على الانفتاح الدولي وتبادل الخبرات والمعرفة في مجالات الذكاء الاصطناعي والبحث العلمي.
أجندة المؤتمر: محاور شاملة
أضافت الدكتورة إيمان عبد الحق، عميد كلية التربية السابق ومقرر المؤتمر، أن المؤتمر يشهد مشاركة 300 مستمع ومشارك، ويناقش 160 بحثاً علمياً موزعة على 11 جلسة. تتضمن محاور المؤتمر الرئيسية قضايا حيوية مثل العلوم التربوية والنفسية والاجتماعية في ظل الذكاء الاصطناعي والاستدامة، والعلوم التجارية نحو نموذج مستدام للأعمال والإدارة الذكية.
كما تشمل المحاور العلوم الأدبية والمكتبات، وعلوم الرياضة، وتخصصات التربية النوعية، والعلوم القانونية، جميعها في سياق الذكاء الاصطناعي والاستدامة. هذا التنوع في المحاور يؤكد شمولية المؤتمر في تناول تأثيرات التكنولوجيا الحديثة على مختلف جوانب الحياة الأكاديمية والاجتماعية، ويعكس الحاجة الملحة لتكييف التخصصات التقليدية مع متطلبات العصر الرقمي.
يذكر أن الدكتور محمد طه، وكيل كلية الحاسبات والذكاء الاصطناعي، ألقى محاضرة مهمة حول ماهية الذكاء الاصطناعي وكيفية استخدامه في مختلف المجالات، مما أثرى النقاش حول التطبيقات العملية لهذه التكنولوجيا الواعدة. هذا يسلط الضوء على الدور المتزايد لكليات الحاسبات في توجيه النقاشات الأكاديمية نحو التحديات التكنولوجية المعاصرة.









