الأخبار

جامعة القاهرة: 90 مليون جنيه مكافآت للنشر الدولي.. والذكاء الاصطناعي والمنتج التطبيقي شرط لأي مشروع بحثي جديد

نائب رئيس الجامعة يكشف تحديات التمويل، آليات دعم الباحثين، ومعايير قبول الطلاب الوافدين في حوار شامل

صحفي ومحرر أخبار في منصة النيل نيوز، متخصص في متابعة التطورات المحلية

في إطار سعي الجامعات المصرية لتعزيز مكانتها عالميًا وربط البحث العلمي باحتياجات المجتمع، كشف الدكتور محمود السعيد، نائب رئيس جامعة القاهرة لشئون الدراسات العليا والبحوث، عن أبرز التحديات والاستراتيجيات التي تتبناها الجامعة. في حوار شامل، تطرق السعيد إلى ملفات حيوية، بدءًا من تحديات التمويل وسبل رفع جودة البحث العلمي، وصولاً إلى آليات تعزيز النشر الدولي وتشجيع الابتكار التطبيقي، مرورًا بدعم طلاب الدراسات العليا نفسيًا وأكاديميًا، وإدارة الخلافات بين الباحثين والمشرفين، وانتهاءً بسياسة الجامعة تجاه الطلاب الوافدين. وأكد الدكتور السعيد أن البحث العلمي في مصر لم يعد مجرد نشاط أكاديمي، بل تحول إلى أداة استراتيجية للتنمية، ومفتاح رئيسي لتحسين التصنيفات الدولية، وخدمة مجتمعية حقيقية، بما يتماشى مع رؤية مصر 2030.

وفي حديثه عن أبرز التحديات التي تواجه منظومة البحث العلمي بجامعة القاهرة، أشار الدكتور السعيد إلى أن التمويل يقف على رأس هذه التحديات. وأوضح أن الجامعات تبذل جهودًا حثيثة لتوفير الدعم المالي اللازم للبحوث، لكن تحقيق انطلاقة أوسع ورفع جودة البحث العلمي وربطه بالأهداف القومية وحل المشكلات المجتمعية، يتطلب استثمارات أكبر. وشدد على ضرورة إيمان رجال الأعمال الحقيقي بأهمية مخرجات البحث العلمي في تطوير منتجاتهم، بما ينعكس إيجابًا على عوائد مشروعاتهم الاقتصادية، وهو ما لم يتحقق بالقدر الكافي في السنوات الماضية، ما أثر على حجم الاستثمارات الموجهة للبحث العلمي في الجامعات والمراكز البحثية.

وأضاف أن التحدي الثاني يتمثل في متابعة الخطط البحثية للجامعات وتنفيذها، وربطها بالأهداف القومية الملحة. وأكد أن الأمر لا يقتصر على المتابعة فحسب، بل يمتد ليشمل التنسيق المستمر لضمان توجيه الأداء البحثي داخل الكليات نحو قضايا حقيقية وتحديات مجتمعية تواجه الدولة المصرية، بعيدًا عن الاكتفاء بأبحاث نظرية تهدف للترقية أو الحصول على الدرجات العلمية. ولفت إلى أن جامعة القاهرة قطعت شوطًا مهمًا في هذا الصدد، عبر إعداد خطة بحثية متطورة مرتبطة بالاستراتيجيات القومية المختلفة، أبرزها استراتيجية مصر للتنمية المستدامة، وتوطين الصناعة، وتمكين المرأة، وحماية الطفل، بالإضافة إلى أكثر من مئة استراتيجية قومية أخرى. ويكمن التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة في متابعة تنفيذ هذه الخطة داخل الكليات.

وعن آليات الجامعة لتعزيز النشر الدولي للأبحاث وتحسين ترتيبها عالميًا، أوضح الدكتور السعيد أن جامعة القاهرة تعتمد على عدة محاور. أولها، التوسع في مكافآت النشر الدولي وزيادتها سنويًا كحافز رئيسي لأعضاء هيئة التدريس. وأشار إلى أن الجامعة لم تكتفِ بزيادة قيمة المكافآت، بل أعادت صياغة معايير تقييمها، حيث باتت المكافأة مرتبطة بقيمة المجلة العلمية وفقًا للربع الذي تنتمي إليه (Q1 – Q2 – Q3 – Q4) في قواعد بيانات سكوبس وكلاريفيت، بدلاً من الاعتماد على معامل التأثير فقط.

وأكد أن هذا التوجه جاء لمعالجة تباين أهمية معامل التأثير بين القطاعات العلمية المختلفة، حيث يكون مرتفعًا نسبيًا في العلوم الطبية والهندسية والأساسية، بينما يمثل تحديًا في العلوم الاجتماعية والإنسانية، ما كان يخلق عدم عدالة. ويسهم ربط المكافآت بالربع في تنشيط النشر الدولي في العلوم الاجتماعية والإنسانية، ويحقق عدالة أكبر في توزيع المكافآت بناءً على جودة النشر لا طبيعة التخصص. وقد شهدت مخصصات مكافآت النشر الدولي زيادة ملحوظة، من 50 مليون جنيه قبل ثلاث سنوات إلى 70 مليونًا في العام التالي، وصولاً إلى 90 مليون جنيه في العام الأخير، ضمن سياسة الجامعة لتحفيز النشر الدولي.

وأضاف أن المحور الثاني يتمثل في المشروعات البحثية الممولة من جامعة القاهرة، والتي تشترط أن تنتهي بنشر دولي. ففي العام الماضي، أطلقت الجامعة مشروعًا بحثيًا لدعم العلوم الاجتماعية، مشترطةً أن ينتهي المشروع بنشر دولي لصرف التمويل. وانتقلت الجامعة هذا العام لإطلاق مشروع بحثي جديد يركز على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات، مع الإبقاء على شرط النشر الدولي، وإضافة شرط جديد وهو أن يسفر المشروع عن منتج قابل للتطبيق أو فكرة ابتكارية ملموسة، لتعزيز القيمة التطبيقية للبحث العلمي وربطه باحتياجات المجتمع وسوق العمل.

وأشار الدكتور السعيد إلى أن هناك آلية ثالثة تسعى الجامعة للتوسع فيها، وهي تدويل المجلات العلمية الصادرة عنها، لتصبح مجلات دولية يُحتسب النشر فيها كنشر دولي. وقد نجحت الجامعة بالفعل في تدويل نحو ست مجلات علمية، منها مجلة الجامعة (JAR)، ومجلة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ومجلة كلية الطب البيطري، حيث أصبح النشر فيها معترفًا به دوليًا. وتصدر جامعة القاهرة أكثر من 60 مجلة علمية، وتستهدف تدويل باقي المجلات تدريجيًا لتوسيع قاعدة النشر الدولي ورفع مكانة الجامعة في التصنيفات العالمية.

وبشأن دعم طلاب الدراسات العليا، أكد الدكتور السعيد أن جامعة القاهرة توفر منظومة متكاملة من الآليات الأكاديمية والمالية والنفسية. فعلى الصعيد الأكاديمي، تولي الجامعة اهتمامًا مستمرًا بتحديث المقررات الدراسية لتواكب الاتجاهات العالمية الحديثة ومتطلبات سوق العمل المستقبلي، بما يشمل مهارات الثورة الصناعية الرابعة والخامسة، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات الضخمة، بهدف تمكين الطلاب من تعليم عالمي واندماج فعال في سوق العمل.

وعلى الصعيد المالي، تهتم الجامعة بالطلاب الذين يواجهون ضائقة مالية، من خلال لجان متخصصة داخل الكليات وعلى مستوى الجامعة، للنظر في طلبات المساعدة، سواء بالإعفاء الجزئي من المصروفات أو تقديم مساعدات أخرى، مع تركيز خاص على الحالات الحرجة وذوي الهمم. وتلتزم الجامعة بتقديم مصروفات دراسية معقولة، وأقل من نظيراتها في الجامعات الأخرى، بما فيها الحكومية.

أما الدعم النفسي، فتقدمه الجامعة عبر وحدات الإرشاد والتوجيه والمساعدة داخل الكليات وعلى مستوى الجامعة، لمساعدة الطلاب في مواجهة المشكلات الشخصية أو الجامعية، وتقديم المشورة والمساندة لتجاوز الصعوبات، بما يضمن بيئة تعليمية داعمة ومستقرة.

وعن تأثير الأعباء الإدارية والروتينية على وقت أعضاء هيئة التدريس المخصص للبحث العلمي، أوضح الدكتور السعيد أن هذه الأعباء تمثل تحديًا قديمًا تواجهه الجامعات بشكل عام، وليس جامعة القاهرة وحدها. وأكد أن الجامعة والدولة تسعيان لتوفير التمويل اللازم لأعضاء هيئة التدريس لإنجاز المشروعات البحثية وإنتاج بحوث تطبيقية، سواء من خلال مشروعات تمولها الجامعة مباشرة، أو عبر هيئات مثل هيئة تمويل العلوم والتكنولوجيا والابتكار، وأكاديمية البحث العلمي، ومؤسسات أخرى، بالإضافة إلى الدعم المالي من هيئات دولية كالاتحاد الأوروبي. وتلتزم الجامعة بتسهيل كافة السبل للحصول على هذا التمويل ودعم أعضاء هيئة التدريس في أعمالهم البحثية.

وأشار إلى الدور الهام الذي تلعبه الجامعة الأهلية في دعم أعضاء هيئة التدريس، بتوفير الموارد المالية التي تمكنهم من التفرغ لأعمالهم البحثية، دون الحاجة إلى الإعارات أو الانتدابات أو السفر لجامعات أخرى. وهذا الدعم المالي الإضافي يتيح لأعضاء التدريس العاملين بالجامعة الأهلية التركيز على البحث العلمي، ومن المتوقع أن يزداد الاعتماد على أعضاء هيئة التدريس من جامعة القاهرة في السنوات القادمة، ما يوفر لهم مصدر دخل مهم ويضمن تفرغهم الكامل لأعمالهم الأكاديمية والبحثية.

وأضاف أن الدعم المادي ليس وحده ما يضمن تفرغ أعضاء هيئة التدريس للبحث العلمي، بل تعمل الجامعة أيضًا على تيسير جميع الإجراءات الإدارية الخاصة بهم لضمان عدم تعطيل أعمالهم البحثية والتدريسية. ويتم التدخل الفوري لحل أي مشكلة قد تظهر، مع مراجعة مستمرة للقواعد الميسرة لعمل أعضاء هيئة التدريس على مستوى الجامعة والكليات. وكشف الدكتور السعيد أن الجامعة تدرس تخفيف النصاب التدريسي أو الأعباء الأخرى عن الأساتذة أصحاب الإنجاز البحثي المتميز، كمن لديهم H-index مرتفع أو معامل تأثير بحثي عالٍ، وقد يصل هذا التخفيف إلى 50%، لضمان تفرغ أكبر ودعم فعال لأعمالهم البحثية.

وفيما يتعلق بملف النشر الدولي، أكد نائب رئيس جامعة القاهرة أن الجامعة لا ترى أي تعارض بين متطلبات التصنيف العالمي والاحتياجات البحثية المحلية. وأوضح أن جزءًا كبيرًا من معايير التصنيف الدولي يعتمد على جودة البحث العلمي، وأن الأبحاث التطبيقية التي تعالج مشكلات قومية ملحة تحظى بتقدير أكبر لدى المجلات العلمية الدولية، التي تهتم بتقديم حلول تطبيقية لمشكلات حقيقية.

وأضاف أن الاحتياجات البحثية المحلية، المتمثلة في تطوير الصناعة وحل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية من خلال البحث العلمي، تعد أيضًا ذات أهمية للمجلات الدولية. فاستخدام البحث العلمي في خدمة المجتمع وتقديم حلول للتحديات الوطنية يمنح صناع القرار بدائل علمية دقيقة، ويسهم في الوقت ذاته في تحسين تصنيف الجامعة عالميًا.

ووجه الدكتور السعيد رسالة دعم لطلاب الدراسات العليا الذين قد يشعرون بالإحباط أو بطول مدة الرحلة البحثية، مؤكدًا أن البحث العلمي وإنجازه يمثل إضافة قوية للسيرة الذاتية والمستقبل العلمي والمهني للطالب، ويستحق كل الجهد والعناء المبذول. وقال: “كلنا واجهنا هذه التحديات، والإحباط لا داعي له، فالبحث العلمي يترك أثرًا دائمًا يفخر به الباحث، سواء في صورة رسالة علمية أو بحث منشور.”

وأضاف أن هذه الرحلة ليست ترفيهية، بل هي رحلة عناء مليئة بالتحديات، تبدأ بجمع المادة العلمية وتحليلها وتصل إلى استخلاص النتائج ومرحلة الكتابة. وشدد على أن الصبر والإرادة والعزيمة هي الأساس لإنجاز بحث علمي ذي قيمة مضافة على مستوى البحث العلمي في مصر والدولة.

وتابع موجهًا حديثه للطلاب: “الصعوبات الحالية أقل بكثير مقارنة بما كان عليه الوضع في الماضي، حيث كان البحث عن المصادر يستغرق شهورًا، ويتطلب الذهاب للمكتبات أو طلب المراجع من خارج مصر، ما كان يمثل تحديًا كبيرًا.” ولفت إلى أن التكنولوجيا الحديثة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي جعلت الوصول إلى المصادر العلمية أسرع وأسهل بكثير، إذ يمكن الحصول عليها خلال دقائق عبر الأجهزة الإلكترونية. وأكد أن البرامج والتطبيقات الحالية تساعد الباحث على إنتاج أبحاث عالية الجودة بكفاءة أكبر، وأن الصعوبات التي يواجهها الطلاب اليوم بسيطة نسبيًا مقارنة بالتحديات السابقة، وأن الجهد المبذول في البحث العلمي يُحسب للباحث ويُكتب في تاريخه العلمي، مما يجعله يستحق كل العناء والمجهود.

وبخصوص حالات الخلاف بين الباحث والمشرف، والتي قد يشعر فيها بعض الطلاب بأنهم الطرف الأضعف، أوضح الدكتور السعيد أن هذه الحالات تُدار وفق لوائح واضحة تحدد الإجراءات المتبعة. وأكد أنه في حالات الخلاف الشديد، يتم عادة تشكيل لجنة من الأساتذة المتخصصين للنظر في النزاع وإصدار قرار يُعرض على مجلس الكلية لاعتماده، بما يضمن حل المشكلة بشكل مؤسسي وقانوني. وحتى في حال عدم وجود نص صريح في اللائحة، تنصح الجامعة بتشكيل لجنة من أقدم الأساتذة في التخصص للنظر في موضوع الخلاف، ويرفع تقريرها إلى مجلس الكلية ومن ثم إلى المجالس الأعلى بالجامعة لاعتماده، لضمان العدالة وحماية حقوق الباحث.

وبشأن سياسة قبول الطلاب الوافدين، خاصة في كليات القمة كـالطب والهندسة، وفي ظل الانتقادات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، أكد الدكتور السعيد أن ما يُنشر على هذه المواقع غالبًا ما يتضمن مبالغات وإشاعات لا أساس لها من الصحة. وأوضح أن جذب الطلاب الوافدين يُعد مسألة عالمية متعارف عليها، حيث تقوم جامعات دولية كبرى، مثل الجامعات الأمريكية، بتعديل شروط القبول لجذب أعداد أكبر من الطلاب الدوليين، بما في ذلك التخفيف أحيانًا من متطلبات اللغة.

وشدد على أن أهمية جذب الطلاب الوافدين تكمن في كونه أحد معايير تصنيف الجامعات العالمية، بالإضافة إلى كونه مصدر دخل مهم وقوة ناعمة للدولة، حيث يكوّن الطلاب الوافدون علاقات إيجابية مع الدولة التي درسوا فيها عند عودتهم إلى بلدانهم.

وفي السياق المصري، أشار الدكتور السعيد إلى أن مصر تولي اهتمامًا خاصًا بالطلاب الأشقاء الذين يعانون من ويلات الحروب أو الظروف الطارئة. وأكد أن الدولة المصرية تلعب دائمًا دور “الأخ الأكبر” في استقبالهم وتوفير التعليم لهم، وهو ما يعكس تاريخ مصر الطويل في رعاية الأشقاء من الدول المحيطة. واختتم حديثه بالتأكيد على أن قبول الطلاب الوافدين الذين يحتاجون للتعليم في جامعاتنا هو دور طبيعي وحرص دائم من الدولة المصرية في تعاملها مع أبناء الجاليات العربية الموجودة على أراضيها لأي أسباب أو أزمات طارئة.

مقالات ذات صلة