ثورة في علاج سرطان البروستاتا.. هل تنتهي معاناة الرجال؟

في غرفة عمليات إنجليزية مضاءة بحدة، يرقد رجل في الخمسين من عمره، بصحة جيدة بشكل عام، على طاولة الجراحة. لو كان الأمر بيد طبيب آخر، لربما استيقظ ليجد نفسه بلا غدة بروستاتا. لكن اليوم، للجراح هاشم أحمد، رئيس قسم جراحة المسالك البولية في إمبريال كوليدج لندن، خطط أخرى أكثر رحمة، تحمل أملاً جديداً في علاج سرطان البروستاتا.
بينما المريض تحت تأثير التخدير العام، يستخدم أحمد شاشة الموجات فوق الصوتية لتوجيه مسبار بدقة نحو ورم بحجم حبة الجوز. هذا الورم، رغم صغره، كان سيتطلب في العادة علاجاً شاملاً يدمر الغدة بأكملها. لكن التقنية التي يستخدمها أحمد تعتمد على دفقات صوتية عالية الكثافة لحرق الخلايا السرطانية فقط، في نهج ثوري يُعرف باسم العلاج البؤري، يحافظ على الأنسجة السليمة المحيطة.
تبعات كارثية.. الثمن الباهظ للعلاجات التقليدية
يهدف هذا النهج البحثي، المتاح في عدد محدود من المراكز الطبية، إلى تجنيب الرجال الكابوس الذي يتبع العلاجات التقليدية مثل استئصال البروستاتا أو الإشعاع. فمشاكل مثل سلس البول، والعجز الجنسي، وحتى قصر العضو الذكري، هي آثار جانبية قاسية جعلت من علاج هذا المرض قضية طبية شائكة ومثيرة للجدل لعقود طويلة.
يقول أحمد: “مريض اليوم هو المرشح المثالي. إنه شاب، وحريص على الحفاظ على وظائفه الجسدية قدر الإمكان”. فمع إصابته بمرض متوسط الخطورة، أمامه سنوات طويلة ليعيشها، ومن المهم أن تكون جودة حياته على رأس الأولويات، وهو ما يسعى العلاج البؤري لتحقيقه.
بين الإفراط والتفريط.. جدل فحص البروستاتا الذي لا ينتهي
على مر السنين، تأرجحت استراتيجيات التعامل مع سرطان البروستاتا بين نقيضين. ففي الثمانينيات، أدى انتشار فحص PSA في الدم إلى طفرة في التشخيص، وبالتالي إلى علاج مفرط لملايين الحالات التي لم تكن لتشكل خطراً على حياة أصحابها، مخلفة وراءها أضراراً دائمة لدى الكثيرين.
ثم انقلبت الأمور رأساً على عقب في 2012، عندما أوصت جهات صحية أمريكية بعدم إجراء الفحص بشكل روتيني للجميع. النتيجة كانت انخفاضاً في معدلات الفحص، ولكنها أدت أيضاً إلى تأخر اكتشاف الحالات الخطيرة. هذا التحول أكد أن الحل ليس في تقليل الفحوصات، بل في جعلها أكثر ذكاءً، خاصة مع تزايد الحالات المتقدمة التي يتم اكتشافها في مراحل متأخرة، وهو ما يذكرنا بأن تجاهل التشخيص المبكر قد يكون بنفس خطورة الإفراط في العلاج.
مستقبل قاتم وأمل في الأفق
يعد سرطان البروستاتا أحد أكثر أنواع السرطان تشخيصاً حول العالم، وأعداد المصابين به في تزايد مستمر مع شيخوخة السكان. ويتوقع تقرير نشرته دورية “ذا لانسيت” الطبية عام 2024 أن يتضاعف عدد الحالات عالمياً بحلول عام 2040، مما يضع عبئاً هائلاً على أنظمة الرعاية الصحية.
هنا يأتي دور الدكتور أحمد وفريقه، الذين يجرون أكبر دراسة لفحص سرطان البروستاتا منذ 20 عاماً، تهدف إلى إثبات أن الفحص المعتمد على التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) يمكن أن يكون أكثر دقة وفعالية من فحص الدم، مما ينقذ الأرواح دون التسبب في أضرار العلاج المفرط. يقول أحمد: “إذا أثبتنا ذلك، فسيكون الأمر استثنائياً وسيؤثر على حياة عشرات الملايين”.
مقاومة وتشكيك.. لماذا لا يزال العلاج الجديد تجريبياً؟
رغم أن الدراسات تظهر أن العلاج البؤري يقلل بشكل كبير من مخاطر سلس البول وضعف الانتصاب، إلا أنه لا يزال يُصنف كعلاج تجريبي في معظم الإرشادات الطبية العالمية. أقل من 10% فقط من الرجال المؤهلين في بريطانيا يتلقون هذا العلاج، ولا تزال المؤسسات الطبية الكبرى تتعامل معه بحذر.
يرى بعض أطباء جراحة المسالك البولية أن الخطر يكمن في أن علاج جزء فقط من البروستاتا يترك بقية الغدة عرضة لظهور السرطان مجدداً. لكن مؤيدي التقنية، مثل الدكتورة جين نغوين من عيادة كليفلاند، يؤكدون أنه مع الاختيار الدقيق للمرضى، تكون معدلات النجاح مرتفعة جداً.
في غرفة العمليات، ينهي أحمد مهمته. بضع نبضات من الصوت عالي الكثافة كانت كافية لتدمير الورم، مع إزالة 20% فقط من غدة البروستاتا. سيتعافى المريض في غضون أسابيع، مع احتمالات ضئيلة جداً للمعاناة من الآثار الجانبية المدمرة، في مشهد يمثل بصيص أمل لمستقبل صحة الرجل.









