في خضم جهود تطوير المناهج التعليمية، يبرز صوت متخصص يدق ناقوس الخطر حول إحدى أهم الحلقات في المنظومة: أطفال الصفوف الأولى. فبينما تهدف التقييمات المستمرة إلى قياس التقدم، يرى خبراء أنها قد تتحول إلى عبء ثقيل على فئة من الأطفال تواجه تحديات في المهارات الأساسية، وهو أمر يمس كل أسرة تقريبًا.
ضغط مبكر
يطرح الخبير التربوي الدكتور تامر شوقي إشكالية جوهرية، تتمثل في أن الأطفال الذين يعانون من صعوبات في القراءة والكتابة – وهي حجر الزاوية لأي تعلم لاحق – يجدون أنفسهم في سباق تقييمات يومية وأسبوعية وشهرية. هذا الضغط، بحسب تحليله، لا يمنح المعلم أو الأسرة الوقت الكافي لتشخيص المشكلة وعلاجها مبكرًا، بل قد يؤدي إلى تفاقمها بشكل يجعل التعامل معها مستقبلاً أكثر تعقيدًا.
دوامة نفسية
الأثر لا يتوقف عند التحصيل الدراسي فحسب، بل يمتد إلى الصحة النفسية للطفل. يشير مراقبون إلى أن شعور الطفل بالعجز المستمر عن مجاراة أقرانه يخلق لديه حالة من نقص الثقة بالنفس، وقد يبني حاجزًا نفسيًا بينه وبين المدرسة. وهو ما يفسر تكوين اتجاهات سلبية لدى البعض تصل إلى حد رفض الذهاب إلى المدرسة، ناهيك عن احتمالية تعرضهم للتنمر، وهو حمل ثقيل على عاتق طفل صغير.
أبعد من الدرجات
المفارقة هنا، كما يوضح شوقي، هي أن الهدف من التقييم المستمر هو تحسين الأداء، لكن بالنسبة لطفل يعاني من صعوبة أساسية، فإن تكرار الاختبار لن يؤدي إلى أي تحسن حقيقي. المشكلة ليست في المادة الدراسية، بل في الأداة التي يستخدمها لاستيعابها. وهكذا، تتحول التقييمات من أداة قياس إلى مصدر إحباط متكرر، مما يزيد العبء على البرامج العلاجية التي تقدمها الوزارة لاحقًا.
توازن مطلوب
الدعوة التي يطلقها الدكتور تامر شوقي ليست لإلغاء التقييمات، بل لإعادة موازنتها. يطالب بتخفيف وتيرتها في الصفوف الأولى لإتاحة مساحة أكبر للتعلم الفعلي، ومنح المعلمين والأخصائيين فرصة لاكتشاف الحالات التي تحتاج دعمًا وتشخيصها بدقة. هذا التوجه يتيح علاج المشكلات في مهدها بعيدًا عن ضغوط الدرجات التي قد لا تكون مناسبة لهذه المرحلة العمرية الحرجة.
في المحصلة، تبدو المعادلة دقيقة: كيف يمكن للنظام التعليمي أن يوازن بين طموحات التطوير وضرورة التقييم، وبين الحاجة الإنسانية لدعم الأطفال الذين يحتاجون إلى مسار تعلم مختلف؟ الإجابة قد تكمن في مرونة تضع مصلحة الطفل ونموه السليم فوق كل اعتبار، لضمان ألا يتحول التطوير إلى أداة تفرز الإحباط بدلاً من بناء الأمل.
