عرب وعالم

ترامب يهدد بمحو حضارة كاملة: لغة الإبادة تتحول إلى أداة تفاوض علنية

عندما تصبح الإبادة لغة رسمية في البيت الأبيض

مراسل في قسم عرب وعالم بمنصة النيل نيوز

بعد ساعات قليلة من التهديد بمحو حضارة من الوجود، وافق دونالد ترامب على وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين. التهديد لم يخرج في تسريب أو مذكرة سرية، بل كتبه الرئيس الأمريكي بوضوح على منصته «تروث سوشيال»: «حضارة كاملة ستموت الليلة، ولن تعود أبداً». ذيّل المنشور بعلامات تعجب وانتهى الأمر.

الحديث عن صحة ترامب العقلية عاد للواجهة فوراً كنوع من الحماية النفسية للمراقبين. إذا كان «مجنوناً»، فالحل طبي ومؤسسي عبر المادة 25 من الدستور الأمريكي. هذه المادة التي أُقرت عام 1967، تتطلب موافقة نائب الرئيس وأغلبية كبار مسؤولي الوزارات لإعلان عدم قدرة الرئيس على ممارسة مهامه. لكن ماذا لو كان ترامب واعياً تماماً لما يقول؟ هنا تصبح المشكلة سياسية لا طبية.

استخدام كلمة «حضارة» بدلاً من «نظام» أو «دولة» ليس مجرد مبالغة إنشائية. هو إلغاء متعمد للحدود بين المقاتلين والمدنيين. عندما تُستهدف الحضارة، فهذا يعني تدمير شبكات المياه، والكهرباء، والتاريخ، والبشر. صامويل هنتنغتون، صاحب نظرية «صدام الحضارات»، كان يراها كيانات ثقافية كبرى، لكن ترامب حولها إلى هدف عسكري صريح.

اتفاقية منع الإبادة الجماعية لا تبحث عن الاستعارات، بل عن «النية». وفي لاهاي، تعتبر التصريحات العلنية التي تعلن عن رغبة في التدمير الشامل أدلة إدانة أساسية. النظام الدولي الذي تشكل بعد 1945 اعتمد على «دبلوماسية الصمت»؛ تفعل الدول ما تفعله لكنها تلتزم بلغة معينة. ترامب كسر هذه اللغة.

المفارقة تكمن في الخلط بين التهديد والمباركة. ختم ترامب وعيده بعبارة «بارك الله شعب إيران العظيم». هذا التناقض كلاسيكي؛ المدمرون نادراً ما يرون أنفسهم كذلك، بل يطرحون أنفسهم في ثوب المخلصين.

دخلت لغة الإبادة الفضاء العام وأصبحت جزءاً من التفاوض. بمجرد نطق هذه الكلمات، أصبحت «ممكنة» وقابلة للتكرار. لم يعد السؤال الآن عما إذا كان ترامب سيضرب إيران أم لا، بل في طبيعة العالم الذي نعيش فيه حين يمر تهديد بمحو حضارة كاملة كخبر عادي في شريط الأخبار.

مقالات ذات صلة