تراجع حاد في صادرات النفط الروسي يضع موسكو تحت ضغط اقتصادي متزايد
العقوبات وهجمات أوكرانيا تضرب عائدات النفط الروسي في نهاية 2025 ومطلع 2026

تحت وطأة العقوبات المشددة، وتراجع الأسعار العالمية، وتصاعد الهجمات الأوكرانية، بالإضافة إلى قيود لوجستية ثقيلة، شهدت صادرات النفط الخام الروسي انكماشًا حادًا في أواخر عام 2025 وبداية عام 2026. ووصلت قيمة هذه الصادرات إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2022، مما يضع موسكو تحت ضغط اقتصادي متزايد، على الرغم من استمرار المبيعات نحو القارة الآسيوية.
لم تكن الهند وحدها هي من تتجه للابتعاد عن المحروقات الروسية، فوفقًا لبيانات بلومبرج التي جمعت معلومات شحنات الخام للأشهر الأخيرة، تراجعت الصادرات الإجمالية للنفط الخام الروسي بشكل ملحوظ في نهاية عام 2025 ومطلع عام 2026، لتسجل أدنى مستوى لها من حيث القيمة منذ الغزو الأوكراني في فبراير 2022. ويعزى هذا التدهور إلى مزيج غير مواتٍ من انخفاض مستمر في أسعار الخام الروسي وتباطؤ ملحوظ في أحجام الصادرات، وذلك في سياق جيوسياسي ولوجستي يزداد تعقيدًا.
أظهرت بيانات تتبع الشحن البحري أن روسيا صدرت ما متوسطه 3.43 مليون برميل يوميًا خلال الأسابيع الأربعة التي سبقت 4 يناير. ويمثل هذا انخفاضًا بنحو 440 ألف برميل يوميًا مقارنة بالفترة السابقة. ويعود هذا التراجع بشكل رئيسي إلى ميناء كوزمينو الاستراتيجي على المحيط الهادئ، الذي يعد مركزًا رئيسيًا للشحنات المتجهة إلى آسيا. وتظل التدفقات متقلبة للغاية، متأثرة بالظروف الجوية، وجداول الشحن، وقبل كل شيء، بالعقوبات الدولية المفروضة.
أسعار متراجعة بنسبة 40%
والأدهى بالنسبة لموسكو، أن الضغط يزداد حدة على صعيد الأسعار. فقد تراجعت أسعار الخام الروسي بشكل أكبر بكثير من الأسعار العالمية منذ إعلان عقوبات أمريكية جديدة استهدفت عملاقي النفط “روسنفت” و”لوك أويل”. ويُتداول خام الأورال، وهو النفط الرئيسي الذي تصدره موسكو، حاليًا بأقل من 35 دولارًا للبرميل في بحر البلطيق والبحر الأسود، وفقًا لبلومبرج، وهو ما يمثل حوالي 60% من مستواه في بداية أكتوبر 2025. أما خام “إيسبو” الذي يُشحن من المحيط الهادئ، فقد فقد حوالي 25% من قيمته. وبالمقارنة، لم يتراجع خام برنت بحر الشمال سوى بنحو 9% خلال الفترة نفسها، مما يعكس الضغوط المتزايدة على الأسواق النفطية العالمية.
أثر هذا الانخفاض في الأسعار، مقترنًا بتراجع الأحجام، بشكل كبير على عائدات موسكو. فخلال الأسابيع الأربعة الماضية، انخفضت القيمة الإجمالية للصادرات إلى حوالي 960 مليون دولار أسبوعيًا، مسجلة تراجعًا بنسبة 10%. وفي الأيام السبعة الأخيرة، بلغت القيمة حوالي 835 مليون دولار، بانخفاض قدره 11% مقارنة بنهاية ديسمبر. وخلال الربع الأول من عام 2025، تراوحت قيمة صادرات الخام الروسي بين 1.25 و 1.5 مليار دولار أسبوعيًا.
ويأتي تراجع التدفقات النفطية في سياق أمني متدهور. فقد كثفت أوكرانيا ضرباتها ضد البنى التحتية للطاقة الروسية، مستهدفة مصافي التكرير وخطوط أنابيب النفط والموانئ وحتى ناقلات النفط. وفي البحر الأسود، أجبرت هجمات الطائرات المسيرة السفن المتجهة إلى نوفوروسيسك على سلوك طرق أطول بمحاذاة السواحل التركية، مما زاد من التكاليف وأوقات التسليم.
وفي الوقت نفسه، تعمل بعض المحطات الرئيسية بوتيرة بطيئة. فمحطة “سي بي سي” المجاورة لنوفوروسيسك، والتي تعد حيوية لصادرات النفط الكازاخستاني العابر لروسيا، لا تزال متضررة جزئيًا منذ هجوم نوفمبر. ولم يتم استبدال أحد أرصفة الرسو فيها حتى الآن، مما أدى إلى تحويل بعض الشحنات إلى موانئ روسية أخرى.
لوجستيات تزداد غموضاً نحو آسيا
وعلى صعيد الوجهات، تراجعت التدفقات نحو آسيا أيضًا. فقد انخفضت الصادرات إلى الصين إلى حوالي 870 ألف برميل يوميًا، بعد أن كانت تتجاوز مليون برميل في نهاية ديسمبر، بينما تراجعت الصادرات إلى الهند من 910 آلاف إلى 600 ألف برميل يوميًا. وفي الوقت ذاته، تُنقل نسبة متزايدة من النفط الروسي بواسطة سفن لا تُعلن وجهتها النهائية.
وبات عدد متزايد من ناقلات النفط يشير إلى وجهات وسيطة — مثل بورسعيد في مصر أو قناة السويس — أو لا تُعلن أي وجهة على الإطلاق، حتى بعد رسوها. كما تقضي السفن وقتًا أطول في البحر، متوقفة بانتظار تصريح التفريغ في الموانئ الهندية والصينية.
ولتجاوز العقوبات، يضاعف المصدرون الروس عمليات النقل من سفينة إلى سفينة أخرى. وقد لوحظ ما يقرب من 40 عملية من هذا النوع منذ بداية نوفمبر، لا سيما في أرخبيل رياو، بالقرب من سنغافورة، وهي منطقة معروفة بالفعل بنفط إيران الخاضع للعقوبات. كما تم تحديد نقاط حساسة أخرى بالقرب من قناة السويس وبالقرب من الموانئ الروسية كوزمينو وزاروبينو.
تُصنف هذه العمليات بأنها “سرية” عندما تُقطع إشارات تحديد الموقع الجغرافي للسفن أو تُزوّر، وهي ممارسة تهدف إلى إخفاء مصدر الشحنات. ويزيد هذا الغموض المتزايد من صعوبة تتبع التدفقات الحقيقية، ويعكس الصعوبات المتنامية التي تواجهها روسيا في تسويق نفطها ضمن بيئة دولية تزداد قيودًا.
في المحصلة، بين العقوبات المشددة، والهجمات على البنية التحتية، وطول المسارات البحرية، وتراجع الأسعار، يبدو نموذج تصدير النفط الروسي تحت ضغط متزايد. ورغم أن موسكو لا تزال قادرة على تصريف كميات كبيرة، خاصة نحو آسيا، فإن انخفاض العائدات يؤكد الفعالية التدريجية للقيود الاقتصادية المفروضة منذ عام 2022، وينذر ببداية عام 2026 صعبة بشكل خاص على المالية الروسية المرتبطة بقطاع الطاقة.









