اقتصاد

تحليل: كيف أعاد المستثمرون تشكيل سوق الذهب عبر صناديق المؤشرات؟

تدفقات قياسية بحجم 700 طن تعكس تحولاً استراتيجياً نحو الأصول الصلبة في مواجهة تآكل قيمة العملات.

بحلول نهاية العام، سيكون المستثمرون قد ضخوا ما يزيد عن 700 طن من الذهب في خزائن صناديق المؤشرات المتداولة، وهو رقم يتجاوز الإنتاج السنوي للعديد من الدول الكبرى مجتمعة. هذا التدفق الهائل لا يمثل مجرد شهية متزايدة للمعدن الأصفر، بل يعكس تحولاً بنيوياً في سلوك المستثمرين الذين باتوا يصوتون بأموالهم ضد استقرار السندات الحكومية والعملات الورقية، مما يدفع الذهب نحو أفضل أداء سنوي له منذ عام 1979.

تحول في ميزان القوى

تاريخياً، كانت أسعار الذهب تتأثر بشكل أساسي بقرارات البنوك المركزية والطلب على المجوهرات، لكن بيانات مجلس الذهب العالمي الأخيرة تُظهر أن ميزان القوى قد تغير. فمع وصول إجمالي الحيازات إلى 3,932 طناً بنهاية نوفمبر، أصبحت صناديق المؤشرات لاعباً مهيمناً يمتلك القدرة على تحديد مسار الأسعار، وليس مجرد الاستجابة لتقلباتها. هذا يعني أن قرارات آلاف المستثمرين الأفراد والمؤسسات أصبحت ذات تأثير يوازي، وربما يفوق، سياسات الشراء لدى بعض المصارف المركزية الكبرى. لقد أصبح مستثمرو الصناديق هم صانعو الأسعار الجدد.

جغرافيا الطلب الجديدة

لم يعد الطلب على الذهب كأداة استثمارية حكراً على الأسواق الغربية؛ فالبيانات تشير إلى أن آسيا، وتحديداً الصين، قادت التدفقات الداخلة خلال نوفمبر. يأتي هذا الإقبال الصيني المتزايد نتيجة مباشرة لضعف أداء سوق الأسهم المحلية وتصاعد التوترات الجيوسياسية، مما دفع المستثمرين للبحث عن ملاذ آمن لا يخضع لتقلبات السياسات الداخلية أو الخارجية بنفس الدرجة. وبالمثل، سجلت الهند صافي تدفقات موجبة لستة أشهر متتالية، مما يؤكد أن هذا التحول ليس ظاهرة عابرة بل اتجاه متجذر في أكبر أسواق المستهلكين في العالم. هل نشهد بداية انتقال مركز ثقل سوق الذهب شرقاً؟

ما وراء الملاذ الآمن

إن تفسير هذا الارتفاع التاريخي بمجرد كونه “لجوءاً إلى الملاذات الآمنة” هو تبسيط مخل. الحقيقة الأكثر تعقيداً تكمن في تآكل الثقة بالعملات الرئيسية نتيجة للعجز المالي المتنامي في الاقتصادات الكبرى، وهو ما يدفع المستثمرين نحو أصول ملموسة لا يمكن طباعتها أو تخفيض قيمتها بقرار سياسي. تزامنت هذه المخاوف مع استعداد بنك الاحتياطي الفيدرالي لخفض أسعار الفائدة، وهي خطوة تقلل من تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب الذي لا يدر عائداً، مما يجعله أكثر جاذبية مقارنة بالسندات ذات العائد المنخفض. لقد تحول الذهب من مجرد أداة تحوط إلى رهان استراتيجي ضد السياسات النقدية والمالية الحالية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *