تحقيقات FBI تلاحق جون بولتون: هل هدد مستشار ترامب الأمن القومي بمعلومات سرية؟

كتب: كريم عبد المنعم
في تطور جديد يلقي بظلاله على كواليس السياسة الأمريكية، كشفت وثائق قضائية عن تحقيقات مكثفة يجريها مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) مع مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق، جون بولتون. تأتي هذه التحقيقات في إطار اتهامات خطيرة تتعلق بسوء التعامل مع معلومات سرية واستخدام حساب بريد إلكتروني خاص تعرض للاختراق، مما يفتح الباب أمام تساؤلات حول أمن الدولة وسلامة بياناتها.
الإفادة الخطية التي قدمها مكتب التحقيقات الفيدرالي، والتي حصلت مؤسسات إعلامية على موافقة قضائية لنشرها، تتضمن اتهامات مباشرة لبولتون باستخدام بريد إلكتروني خاص تعرض للاختراق من قبل “كيان أجنبي”، وتبادله معلومات حساسة بشكل خاطئ. جاء ذلك ضمن طلب من المكتب لإصدار أمر تفتيش لمنزل بولتون، لتوضيح مسار التحقيقات الجارية.
وتفصح الإفادة عن تفاصيل دقيقة لما كان يبحث عنه المحققون، بما في ذلك طلب استخدام القياسات الحيوية لبولتون، كبصمات الأصابع، لفتح أي حسابات إلكترونية مقفلة، بالإضافة إلى طلب الوصول إلى أي خزائن شخصية لديه قد تحتوي على وثائق هامة.
في الثاني والعشرين من أغسطس الماضي، داهم عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي منزل جون بولتون بولاية ماريلاند، في إطار تحقيق جديد يركز على طريقة تعامله مع المعلومات السرية. وقد أسفرت المداهمة عن مصادرة عدد من الأجهزة الإلكترونية شملت هاتفين، وجهاز كمبيوتر، وقرصًا صلبًا، وجهازي كمبيوتر محمول، ووحدتي ذاكرة محمولة (USB)، إلى جانب العديد من الوثائق الأخرى.
غموض اختراق البريد الإلكتروني
ولفت موقع “أكسيوس” إلى أن عشر صفحات كاملة من الإفادة الخطية، المكونة من 39 صفحة، خصصت لقسم بعنوان “اختراق حساب بولتون على موقع AOL من قبل كيان أجنبي”. هذه الصفحات كانت الأكثر حجبًا باللون الأسود بالكامل في الوثيقة، مما يشير إلى حساسية بالغة في تفاصيل عملية اختراق بريد إلكتروني وما يرتبط بها من معلومات.
وفقًا لما أورده “أكسيوس”، فإن الإفادة الخطية الصادرة عن مكتب التحقيقات الفيدرالي، والتي قُدمت قبل يوم واحد من المداهمة، تستعرض تفاصيل المحادثات بين بولتون وموظفة مجلس الأمن القومي، إلين نايت. هذه المحادثات تلقي الضوء على التحديات التي واجهت التعامل مع المواد المصنفة.
وتوضح الوثيقة أن نايت أبلغت محامي بولتون في يناير 2020 بأن المسودة الأولية لكتابه الجديد، “الغرفة التي حدث فيها ذلك”، تحتوي على ما يبدو معلومات سرية، وبعضها كان مصنفًا بدرجة “سري للغاية”، مما أثار مخاوف بشأن الكشف غير المصرح به عن تفاصيل حساسة.
وفي رسالة بريد إلكتروني ثانية أرسلتها نايت إلى محامي بولتون في الشهر التالي، ردًا على مسودة منقحة، كتبت أن مستوى التفاصيل الواردة في الكتاب يشير إلى أن جون بولتون كان يعتمد على ملاحظات سجلها أثناء فترة عمله في البيت الأبيض.
كما ذكرت نايت للمحامي أن بولتون كان قد صرح قبل مغادرته الحكومة بأنه لم يحتفظ بأي سجلات من هذا النوع، وتساءلت عما إذا كان قد احتفظ بـ “أي ملاحظات أو سجلات أخرى من خدمته في الحكومة”. وفي رسالة ثالثة، أقرت نايت بأن بولتون “أقر على ما يبدو بالحاجة إلى تعديل المسودة لإزالة معلومات سرية“.
وأوضح موقع “أكسيوس” أن هذه الرسائل المتبادلة تتعلق بشكل مباشر بمسألة ما إذا كان بولتون قد نشر معلومات سرية عن عمد، أو احتفظ بشكل غير سليم بملاحظات تحتوي على معلومات سرية بعد انتهاء خدمته الحكومية. في المقابل، صرح تشارلز كوبر، محامي بولتون آنذاك، للبيت الأبيض: “لا نعتقد أن أيًا من المعلومات الواردة في الكتاب يمكن اعتبارها سرية إلى حد ما”.
اتهامات بالتسييس تطارد التحقيقات
شغل جون بولتون، المعروف بمواقفه المتشددة في عدة إدارات جمهورية، منصب مستشار الأمن القومي خلال الولاية الأولى للرئيس ترامب بين عامي 2018 و2019. وسرعان ما تحول بعد مغادرته الإدارة إلى أحد أبرز منتقدي سياسات ترامب، وهو ما تجلى بوضوح في كتابه اللاذع الصادر عام 2020، بعنوان “الغرفة التي حدث فيها ذلك”.
وقد حاولت إدارة ترامب السابقة منع نشر الكتاب بحجة احتوائه على معلومات سرية، وفتحت تحقيقًا جنائيًا بعد نشره، وهو تحقيق انتهى في عهد إدارة الرئيس جو بايدن. واستمر بولتون في انتقاد سياسة ترامب الخارجية عبر ظهوره المتكرر في القنوات التلفزيونية المختلفة.
وأشار “أكسيوس” إلى أن دور بولتون كأحد أبرز منتقدي الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، أثار اتهامات بأن التحقيق معه يجري “لأغراض سياسية”. وهو ما نفاه ترامب بدوره، مؤكدًا أنه لم يكن لديه أي معرفة مسبقة بمداهمة منزل بولتون، لكنه وصفه بـ “الوضيع الحقيقي”، في إشارة إلى خلافاتهما الحادة.
وفي بيان له، أكد آبي لويل، محامي جون بولتون، أن “المواد المطلوبة والتي قدمت في عملية التفتيش تمت مراجعتها وإغلاقها منذ سنوات. وقد أُعيد إحياؤها لأن وزارة العدل في عهد ترامب، الأكثر تسييسًا في التاريخ الأمريكي، تنفذ انتقامها السياسي”. هذا التصريح يعمق من اتهامات تسييس التحقيقات.
وذكر لويل أيضًا أن الوثائق التي نُقلت من منزل بولتون كانت ببساطة “من أنواع السجلات التي يمكن أن يحتفظ بها مسؤول مهني لمدة 40 عامًا”، وأن المواد المتعلقة بكتابه “حصلت على موافقة” قبل نشرها، مما ينفي أي تهم بسوء التعامل مع الوثائق.
في سياق متصل، كانت صحيفة “نيويورك تايمز” قد أفادت في تقرير سابق بأن محققين أمريكيين اكتشفوا أن جهاز استخبارات تابع لدولة معادية تمكن من الوصول إلى معلومات حساسة أرسلها بولتون إلى شركائه عندما كان لا يزال مستشارًا للأمن القومي، مما يعزز من خطورة مسألة اختراق بريد إلكتروني.
وتشير مذكرة أمر التفتيش إلى عدة حالات اتهم فيها جون بولتون مسؤولين كبار آخرين بعدم المسؤولية في التعامل مع معلومات سرية. وتشمل هذه الحالات وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون، بسبب استخدامها لخادم بريد إلكتروني خاص، وفريق ترامب للأمن القومي، بسبب استخدامه تطبيق “سيجنال” لمناقشة هجوم وشيك في اليمن، مما يضع بولتون في موقف غريب بعد أن كان هو نفسه المنتقد الأول لسوء الإدارة.









