بوتين يستدعي الأثرياء: تمويل الحرب والاقتصاد الروسي في الميزان

الكرملين يطالب الأثرياء بـ "رد الجميل" لتمويل المجهود الحربي

مراسل في قسم عرب وعالم بمنصة النيل نيوز

جمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كبار رجال الأعمال في البلاد داخل الكرملين، في اجتماع مغلق، في خطوة فُسّرت على أنها مسعى لضخ أموال في خزائن الدولة لدعم الاقتصاد المتأزم وتغطية تكاليف الحرب المستمرة في أوكرانيا.

لم يتأخر التضارب في التصريحات الرسمية، فبينما نفى المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، هذا الطلب، عاد ليعترف لاحقًا بأن أحد الحاضرين أبدى، في بادرة “وطنية”، استعداده للتبرع بمبلغ ضخم. كشفت تقارير إعلامية أن السناتور سليمان كريموف هو من بادر بعرض 100 مليار روبل (حوالي مليار يورو) لتمويل احتياجات الدولة.

يمثل كريموف، الاقتصادي الذي راكم ثروته من استثمارات واسعة في قطاعات حيوية كالنفط والغاز والمعادن الثمينة والأسمدة، ويشغل مقعدًا في مجلس الاتحاد الروسي ممثلاً لجمهورية داغستان، جزءًا من نخبة الأوليغارشيا التي كوّنت ثرواتها في تسعينيات القرن الماضي المضطربة. هذه المبادرة، وإن بدت فردية، تسلط الضوء على الضغط المتزايد الذي يواجهه هؤلاء الأفراد للمساهمة في دعم الدولة في ظل الظروف الراهنة، وهو ما أشار إليه بيسكوف بتأكيده أن الوقت قد حان لـ “رد الجميل” للوطن.

لا يقف كريموف وحيداً في هذا المسعى، فقد أبدى قطب المعادن أوليغ ديريباسكا، رئيس شركة “روسال”، استعداداً مماثلاً لسد العجز الهائل في الميزانية الروسية، الذي قفز في شهري يناير وفبراير الماضيين إلى أكثر من 90% من الرقم المتوقع للعام بأكمله. يشير خبراء اقتصاديون إلى أن الاقتصاد الروسي، الذي دخل عام 2026، أظهر علامات إرهاق واضحة.

وتؤكد الخبيرة الاقتصادية سينيكا بارفيانن، من “شبكة القيادة الأوروبية” (مؤسسة فكرية مقرها لندن)، أن النمو الاقتصادي الملحوظ في عامي 2023 و 2024 لم يكن نموًا عضويًا، بل كان نتيجة للإنفاق الحكومي الضخم على المجهود الحربي. هذا الوضع، الذي تفاقم بفعل العقوبات الغربية غير المسبوقة، دفع بروسيا نحو نموذج اقتصادي يعتمد بشكل كبير على الإنفاق الحكومي والدعم الموجه لقطاعات محددة، مما يثير تساؤلات جدية حول استدامته على المدى الطويل في ظل استنزاف الموارد.

وفي جوهر الاجتماع المغلق، كانت هناك رسالة واضحة من بوتين لضيوفه: روسيا لن توقف “العملية العسكرية الخاصة” حتى يتم السيطرة الكاملة على المناطق التي ما زالت خارج سيطرتها في دونباس. هذه الرسالة تؤكد تصميم الكرملين على تحقيق أهدافه العسكرية في المنطقة، بغض النظر عن الكلفة أو المدة، وتُبرز الأهمية الاستراتيجية التي توليها موسكو لهذه المنطقة الصناعية الحيوية كجزء من خططها الجيوسياسية الأوسع.

لكن خبراء يرون أن سيناريو السيطرة الروسية على دونباس هذا العام يبدو مستبعدًا للغاية. يوضح أوليغ إغناتوف، المحلل في “مجموعة الأزمات الدولية”، أن الحرب قد تستمر حتى عام 2027، مشيرًا إلى أن حتى لو تمكنت روسيا من الاستيلاء على دونباس، فإن مشاكل أخرى ستظل قائمة، وقد تؤدي إلى استمرار الصراع في أشكال مختلفة.

ويعتبر إغناتوف أن هذا الموقف يمثل اعترافًا بأن المفاوضات ضمن الإطار الحالي وصلت إلى طريق مسدود. فموسكو تدرك أن كييف لن تقبل الحل الذي تريده لدونباس، وأن واشنطن لا تملك القدرة على الضغط الكافي لإجبار أوكرانيا على قبول مثل هذا الحل، مما يضع أفقًا ضبابيًا لأي تسوية سياسية قريبة ويطيل أمد الصراع.

Exit mobile version