ما تزال خريطة السيطرة في إقليم دونيتسك تراوح مكانها، غارقة في حرب استنزاف طاحنة دون أي اختراق جوهري يذكر. التقرير الميداني الأخير القادم من كييف يرسم مشهداً من الجمود الدامي؛ حيث تواصل موسكو صب نيرانها على محاور الإقليم في محاولة يائسة لخلخلة الدفاعات الشرقية التي تبدو مستعصية على الكسر منذ مطلع العام.
أرقام هيئة الأركان الأوكرانية تتحدث عن يوم جحيمي، حيث تم التصدي لأكثر من 45 محاولة اقتحام خلال 24 ساعة فقط. المعارك انحصرت في المربعات المشتعلة: ليمان، باخموت، أفدييفكا، وماريينكا. هذه المدن التي تحولت منذ 2014 إلى “قلاع خرسانية”، تثبت يوماً بعد آخر لماذا يعجز الطرفان عن تحقيق أي تقدم خاطف.
السماء فوق دونيتسك لم تهدأ؛ 17 غارة جوية روسية وأكثر من 20 راجمة صواريخ صبت جام غضبها على الخطوط الأمامية. هذا القصف المكثف ليس عشوائياً، بل يهدف بوضوح إلى خنق الإمدادات الأوكرانية وشل حركة الوحدات المدافعة قبل أي هجوم بري.
في باخموت، المشهد يتجاوز الحسابات العسكرية؛ الروس يستميتون لفرض سيطرة كاملة على مدينة تحولت أطلالها إلى مسألة هيبة. باخموت التي لم يعد فيها حجر على حجر وفقدت قيمتها كعقدة مواصلات، لا تزال تلتهم القوات الروسية التي تبحث عن “نصر رمزي” بعد أشهر من القتال الوحشي في الشوارع.
على الجبهة الغربية لباخموت، تحطمت نحو 20 هجمة روسية أمام الصمود الأوكراني. هذه الأرقام تؤكد أن الآلة العسكرية الروسية، رغم ضغط المشاة والمدفعية، تصطدم بحائط صد منظم يرفض التراجع.
ظهور أولكسندر سيرسكي، قائد القوات البرية الأوكرانية، وسط جنوده على “تليغرام” لم يكن مجرد صورة بروتوكولية، بل رسالة تحدٍ واضحة. سيرسكي لعب على وتر الأعصاب، مشيراً إلى أن فاعلية مجموعات “فاغنر” وقوات المظليين الروسية بدأت تتآكل في أزقة باخموت.
“العدو يترنح ويحاول مداراة تراجعه بضجيج إعلامي حول السيطرة على باخموت”.. هكذا رمى سيرسكي الكرة في ملعب الروس، معتبراً أن المعركة النفسية لا تقل ضراوة عن معركة الميدان.
قائد القوات البرية لم يكتفِ بالدفاع، بل زرع بذور الهجوم القادم؛ فالثبات في المواقع الحالية هو، برأيه، التمهيد الضروري لأي ضربة أوكرانية مضادة. التنسيق الدقيق بين الوحدات الصغيرة هو ما سيحسم شكل الخريطة في الأيام المقبلة.
أما جبهة غرب وشمال غرب مدينة دونيتسك، فتعيش جولة هي الأعنف منذ أشهر. أفدييفكا وماريينكا تحت النار، والروس يرمون بكل ثقلهم لزعزعة التحصينات الأوكرانية. التقارير تؤكد صد 20 هجوماً في هذه المناطق التي تخنقها القوات الروسية من جهات عدة.
المتحدث العسكري أوليكسي دميتراشكيفسكي تحدث عن “نجاحات تكتيكية”، مؤكداً استعادة بعض النقاط الحاكمة. في هذه المعارك، النصر لا يقاس بالكيلومترات، بل بالأمتار والمواقع المرتفعة التي تمنح التفوق الناري.
دفع موسكو بوحدات خاصة إلى جبهة دونيتسك يكشف حجم المأزق؛ الرغبة في كسر الجمود الميداني دفعت القيادة الروسية للمغامرة بنخبة قواتها في أتون معارك شوارع لا ترحم.
الهجمات بين أفدييفكا وماريينكا لا تتوقف، لكن الكلفة البشرية والمادية للجانب الروسي باهظة جداً. الطبيعة الصناعية للمنطقة وفرت للمدافعين الأوكرانيين غطاءً مثالياً يصعب اختراقه دون تدمير شامل.
دميتراشكيفسكي لم يغفل الجانب اللوجستي، واصفاً حال القوات الروسية بـ “حمية الذخيرة”. هذا التعبير الساخر يتقاطع مع تقارير استخباراتية غربية تؤكد أن سلاح الإمداد الروسي يعاني الأمرين لتأمين قذائف المدفعية اللازمة لاستمرار الهجوم.
الفيديوهات المسربة من محيط أفدييفكا تظهر جحيماً حقيقياً؛ المدينة المطوقة من ثلاث جهات تحولت إلى غابة من الخرسانة والبارود، حيث باتت المباني السكنية والمصانع هي خطوط الدفاع الأخيرة.
على المقلب الآخر، يصر دينيس بوشيلين، المسؤول الموالي لروسيا، على أن قواته تتقدم. هذا التضارب الصارخ في الروايات يعكس تماماً حجم الضبابية التي تلف مسار الحرب، حيث لكل طرف حقيقته الخاصة.
بوشيلين، ورغم اعترافه بصعوبة الموقف، ادعى السيطرة على منطقة كاميانكا، معتبراً أن الطقس والتضاريس هما العدو الأول للطرفين حالياً، مما يفسر وتيرة الزحف البطيئة التي تمنع الحسم السريع.
