عرب وعالم

بلجيكا تؤمن أجواءها… وأوروبا في مواجهة “حرب المسيرات” الخفية

تحركات بلجيكية عاجلة لتعزيز الدفاع الجوي بعد حوادث متكررة تثير قلق حلف الناتو وتضع روسيا في دائرة الشبهات.

في خطوة تعكس حجم القلق المتنامي داخل القارة الأوروبية، أعلنت بلجيكا عزمها على تعزيز مراقبة مجالها الجوي بشكل كبير. يأتي هذا القرار بعد سلسلة من حوادث تحليق الطائرات المسيرة مجهولة الهوية فوق مطارات حيوية وقواعد عسكرية، مما وضع منظومة الأمن الأوروبي أمام تحدٍ جديد ومقلق.

لم تكن الحادثة الأخيرة مجرد إنذار عابر، فقد أدى رصد هذه الطائرات إلى إغلاق مطاري بروكسل ولييج لساعات، مساء الثلاثاء، في اضطراب غير مسبوق لحركة الملاحة الجوية. وفي تصريحات أعقبت اجتماعًا طارئًا لمجلس الأمن القومي، أكد وزير الدفاع البلجيكي، ثيو فرانكن، أن البلاد “يجب أن تكون قادرة على تحسين مراقبة مجالها الجوي”، كاشفًا عن خطط لتفعيل مركز للأمن الجوي مطلع يناير المقبل، ومنحه صلاحيات للتعامل المباشر مع أي تهديد عبر إسقاطه أو التشويش عليه.

ظاهرة أوروبية أم رسائل روسية؟

لا يمكن فصل التحرك البلجيكي عن سياق أوسع من التأهب الأمني الذي يسود دول حلف شمال الأطلسي (الناتو). فخلال الأسابيع الماضية، تكررت حوادث مماثلة في مطارات كوبنهاجن وميونيخ، بالإضافة إلى اختراق نحو 20 طائرة مسيرة روسية للمجال الجوي البولندي في سبتمبر. ورغم أن فرانكن تجنب توجيه اتهام مباشر لموسكو، فإن نمط هذه الاختراقات يثير تساؤلات جدية حول ما إذا كانت تمثل اختبارًا متعمدًا لدفاعات الحلف وردود أفعاله.

يرى مراقبون أن هذه الحوادث تندرج ضمن تكتيكات الحرب الهجينة التي تهدف إلى إثارة القلق واستنزاف الخصم دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة. ويشير المحلل السياسي أحمد قاسم إلى أن “استخدام الطائرات المسيرة في هذه المنطقة الرمادية يمثل استفزازًا منخفض التكلفة وعالي التأثير، فهو يجبر الدول الأوروبية على استثمار موارد ضخمة في أنظمة الدفاع الجوي قصيرة المدى، ويكشف في الوقت نفسه عن ثغرات أمنية محتملة”.

نحو منظومة دفاعية موحدة

على المستوى الاستراتيجي، دفعت هذه التهديدات المستجدة بروكسل إلى التفكير بشكل أوسع. فدعوة وزير الدفاع البلجيكي لزيادة الإنفاق على الأنظمة المضادة للطائرات المسيرة تتناغم مع مقترحات قدمتها المفوضية الأوروبية مؤخرًا. وتشمل هذه المقترحات مشروعات دفاعية مشتركة، أبرزها نظام أوروبي موحد مضاد للمسيرات، وخطة لتحصين الحدود الشرقية مع روسيا، بهدف تجهيز الحلف لمواجهة تحديات المستقبل بحلول عام 2030.

وكانت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، قد شددت على ضرورة تمويل هذه المشاريع أوروبيًا، معتبرة أن على الاتحاد “الاستجابة لنداء دول البلطيق للدفاع عن الحدود الشرقية للتكتل”. هذا التوجه يعكس إدراكًا متزايدًا بأن أمن دولة عضو هو جزء لا يتجزأ من الأمن الأوروبي الجماعي.

وفي هذا السياق، يوضح الخبير السابق في الناتو، نيكولاس ويليامز، أن “موسكو قد لا تكون بصدد اختبار دفاعات الناتو عمدًا، فتكلُفة أي تصعيد ستكون باهظة في ظل انشغالها بالحرب في أوكرانيا”. لكنه يستدرك بأن دولًا مثل بولندا وإستونيا تعتبر هذه الانتهاكات “متعمدة”، وتهديدها بإسقاط أي طائرة معادية هو إجراء “مشروع” لكنه محفوف بمخاطر جر الحلف إلى مواجهة مباشرة. لذلك، يُرجّح أن تتجنب روسيا أي انتهاكات صارخة مستقبلًا، لكنها قد تستمر في استخدام الطائرات المسيرة كأداة ضغط سياسي وأمني.

في المحصلة، لم تعد حوادث الطائرات المسيرة مجرد خروقات أمنية معزولة، بل باتت مؤشرًا على تحول في طبيعة التهديدات التي تواجه أوروبا. إنها تدفع القارة نحو تسريع وتيرة تكاملها الدفاعي، وتجبرها على إعادة تقييم مفهوم السيادة على أجوائها في عصر أصبحت فيه السماء مسرحًا لصراعات خفية لا تقل خطورة عن الحروب التقليدية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *