بصوت الجنوب العالمي.. مصر تطرح رؤية للعدالة المناخية قبل قمة COP30

في خطوة تعكس الثقل العربي المتزايد في ملف المناخ العالمي، شارك الدكتور مصطفى السيد الشربيني، ممثلًا للعالم العربي، في المشورة الدولية لرواد المناخ رفيعي المستوى. وطرح الشربيني رؤية متكاملة للتحول الأخضر العادل، ترتكز على ضرورة تحقيق العدالة المناخية وتوفير التمويل للدول النامية، وذلك في إطار الاستعدادات الجارية لمؤتمر الأطراف المقبل (COP30).
جاءت المشاركة ضمن فعاليات أجندة مراكش للعمل المناخي العالمي، وهي منصة دولية تابعة لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC)، وتجمع صناع القرار والمجتمع المدني والقطاع الخاص. وفي هذا السياق، لم تكن مشاركة الشربيني مجرد حضور بروتوكولي، بل كانت بمثابة طرح لموقف واضح يمثل صوت الجنوب العالمي، الذي يعاني من تبعات التغير المناخي رغم مساهمته المحدودة تاريخيًا في الانبعاثات.
التمويل المناخي.. حق لا منحة
شدد الدكتور مصطفى الشربيني على أن التمويل المناخي ليس منحة أو مساعدة يقدمها الشمال للجنوب، بل هو حق مشروع ومسؤولية تاريخية تقع على عاتق الدول الصناعية الكبرى. ودعا إلى تأسيس نظام تمويلي دولي أكثر شفافية وعدالة، يمكّن الدول النامية من الوصول للموارد اللازمة لتنفيذ التزاماتها المناخية وتحقيق أهداف اتفاق باريس، دون أن يؤثر ذلك على مساراتها التنموية.
هذا الطرح يعكس تحولًا في الخطاب الدبلوماسي المناخي، حيث لم يعد التركيز فقط على حجم التمويل، بل على آليات توزيعه وشروطه، بما يضمن أن يصل إلى المشروعات التي تخدم المجتمعات الأكثر تضررًا. وأكد الشربيني أن العدالة المناخية لا تتحقق إلا بشراكات حقيقية تقوم على نقل التكنولوجيا ودعم القدرات المحلية، وليس بفرض حلول خارجية لا تتناسب مع الواقع المحلي.
تمكين المجتمع المدني كقوة دافعة
في ورقة تحليلية قدمها بعنوان «تمكين المجتمع المدني كقوة محركة للتحول العادل وتمويل المناخ»، أوضح الشربيني أن نجاح أي تحول أخضر يرتبط بشكل وثيق بتمكين القاعدة المجتمعية. وأشار إلى أن القرارات الفوقية تظل حبرًا على ورق ما لم تتبناها المجتمعات المحلية، مؤكدًا أن المجتمع المدني هو المحرك الحقيقي القادر على ضمان استدامة العمل المناخي.
واستعرض السفير الشربيني مبادرات مصرية رائدة أصبحت نموذجًا إقليميًا، مثل «سفراء المناخ» و«رواد الحياد الكربوني». هذه المبادرات لا تهدف فقط إلى رفع الوعي، بل إلى بناء قدرات بشرية، خاصة بين الشباب، قادرة على المشاركة الفعالة في مواجهة التغير المناخي، وهو ما يجعل من مصر مركز إشعاع في مجال الاستدامة على المستويين العربي والأفريقي.
التكنولوجيا والتعليم.. أدوات المستقبل
لم تغفل الرؤية التي طرحها الشربيني أهمية الأدوات الحديثة، حيث أكد على ضرورة دمج الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في منظومة العمل المناخي، خاصة في تتبع الانبعاثات وتحليل البيانات، مما يسرّع من عملية اتخاذ القرار. كما دعا إلى إنشاء منصة عربية إفريقية لتبادل الخبرات في مجالات حيوية مثل إدارة الكربون والطاقة المتجددة والاقتصاد الدائري.
على الصعيد المحلي، شدد على أهمية ربط البحث العلمي بالواقع، وتحويل الأفكار الأكاديمية إلى حلول تطبيقية. وأشار إلى ضرورة إدراج مؤشرات المناخ في المناهج التعليمية لبناء وعي بيئي لدى الأجيال الجديدة، مؤكدًا أن الثقافة المناخية في المدارس والجامعات هي حجر الزاوية لبناء مجتمعات قادرة على التكيف والمواجهة.
إشادة دولية ورؤية إنسانية
لاقت مشاركة الشربيني تفاعلًا دوليًا واسعًا، حيث أشاد الحضور برؤيته التي وصفت بأنها تمثل صوت الجنوب العالمي بوضوح، ونجحت في بناء جسور بين العلم والسياسة. وقد تردد صدى عبارته «العمل المناخي ليس رفاهية، بل هو صون للكرامة الإنسانية وعدالة بين الأجيال» بين المشاركين، لما حملته من عمق إنساني يعيد تعريف القضية المناخية كقضية أخلاقية بالدرجة الأولى.
وتأتي هذه الجهود في إطار التحضير لقمة COP30 بالبرازيل، حيث يعمل الشربيني بالتعاون مع منظمات إقليمية على بلورة رؤية عربية موحدة. واختتم تصريحه بالتأكيد على أن العالم العربي يمتلك الكفاءات التي تؤهله ليكون شريكًا فاعلًا في صياغة مستقبل المناخ، وأن التحول الحقيقي يبدأ من إيمان الإنسان بأن حماية الأرض هي حماية للحياة نفسها.









