في خطوة تعد بثورة في مجال الكشف المبكر عن الأمراض، بدأت بريطانيا تطبيق برنامج رائد يستخدم الذكاء الاصطناعي والروبوتات لتشخيص سرطان الرئة. يهدف هذا المشروع الطموح إلى تعزيز قدرات الأطباء على اكتشاف الأورام في مراحلها الأولى، مما يفتح آفاقاً جديدة للعلاج ويزيد من فرص الشفاء.
تأتي هذه المبادرة ضمن خطط هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS) لتوسيع نطاق فحوصات سرطان الرئة، مع دعوة جميع المؤهلين لإجراء فحصهم الأول بحلول عام 2030. يعتمد البرنامج الجديد على تقنيتين متطورتين؛ الأولى هي برمجيات الذكاء الاصطناعي التي تحلل صور الأشعة المقطعية لرئة المرضى، لتحديد أي بقع مشبوهة أو “عقيدات” قد تشير إلى وجود ورم.
أما التقنية الثانية، فتتمثل في قسطرة روبوتية دقيقة، وهي أنبوب رفيع يُدخل عبر الحلق، لأخذ عينات مباشرة من هذه العقيدات. يتميز النظام الروبوتي بقدرته الفائقة على الوصول إلى بقع صغيرة لا تتجاوز ستة مليمترات، والتي غالباً ما تكون عميقة داخل الرئة ويصعب الوصول إليها بالطرق التقليدية. تُفحص هذه العينات بعد ذلك في المختبر لتأكيد الإصابة بالسرطان أو استبعادها، مما يجنب المرضى الانتظار الطويل لإجراء فحوصات متابعة.
في مستشفى “جايز وسانت توماس” التابع لهيئة الخدمات الصحية الوطنية، استخدم الأطباء بالفعل تقنية الخزعات الروبوتية على 300 مريض، تلقى 215 منهم العلاج اللازم للسرطان. ومن المقرر أن يشمل المشروع التجريبي الجديد 250 مريضاً إضافياً، مع آمال بتعميم هذا الإجراء على مستشفيات أخرى في المستقبل القريب.
يعد سرطان الرئة ثالث أكثر أنواع السرطان شيوعاً في المملكة المتحدة، حيث يسجل أكثر من 49 ألف حالة تشخيص جديدة، ونحو 33 ألف وفاة سنوياً. ومنذ عام 2019، دعت هيئة الخدمات الصحية الوطنية أكثر من 1.5 مليون شخص في إنجلترا، تتراوح أعمارهم بين 55 و74 عاماً ممن سبق لهم التدخين، لإجراء فحوصات صحة الرئة. ومن المتوقع أن يتم التواصل مع 1.4 مليون شخص آخر العام المقبل وحده.
الكاتبة التلفزيونية البريطانية ديم إيستر رانتزن، التي شُخصت بسرطان الرئة في مرحلته الرابعة قبل ثلاث سنوات، أعربت عن ترحيبها باستخدام الذكاء الاصطناعي والروبوتات، واصفة إياه بأنه “علامة تبعث على الأمل بأن الأمور تتغير جذرياً في علاج السرطان”. ورغم إقرارها بعدم وجود علاج لحالتها، أكدت أن العلاج أخر انتشار المرض لثلاث سنوات، وأنها “لم تتوقع أن ترى عيد الميلاد الماضي”.
في المقابل، أبدت رانتزن استغرابها من تحديد سقف عمري لبرنامج الفحص، قائلة: “الخامسة والسبعون هي الخامسة والخمسون الجديدة”. وأضافت: “لا أفهم لماذا تم استبعاد أشخاص مثلي في الخامسة والثمانين تماماً بحجة أننا تجاوزنا العمر ويجب أن نكون ممتنين لما حصلنا عليه. ربما يجب عليهم مراجعة ذلك”. وأكدت ترحيبها بالمبادرة لغيرها، خاصة إذا كانت تهدف إلى الكشف المبكر ووقف انتشار المرض.
من جانبه، وصف البروفيسور بيتر جونسون، المدير السريري الوطني للسرطان في هيئة الخدمات الصحية الوطنية، الفحص بأنه يعني اكتشاف المزيد من الحالات في مرحلة مبكرة أكثر من أي وقت مضى. وأشار إلى أن المشروع التجريبي الجديد سيدعم “خزعات أسرع وأكثر دقة”، معتبراً إياه “لمحة عن مستقبل الكشف عن السرطان”.
أما وزير الصحة، ويس ستريتنج، الذي خضع لعملية جراحية روبوتية لعلاج سرطان الكلى، فأكد أن علاج هيئة الخدمات الصحية الوطنية “أنقذ حياته”. وأضاف أن هذا المشروع التجريبي سيساعد في اكتشاف المرض مبكراً، “مستبدلاً أسابيع من الفحوصات الجراحية بإجراء واحد مستهدف”.
