فتحت الدنمارك صناديق الاقتراع اليوم في انتخابات برلمانية مبكرة، تضع مستقبل رئيسة الوزراء ميتي فريدريكسن على المحك. الرهان الأساسي لزعيمة الاشتراكيين الديمقراطيين هذه المرة لا يرتكز على برامج الرفاه التقليدية، بل على “تأثير غرينلاند” والموقف المتشدد الذي اتخذته لحماية سيادة الجزيرة.
تحكم فريدريكسن البلاد منذ 2019، وانتقلت في 2022 إلى قيادة ائتلاف هجين يضم الحزب الليبرالي وحزب الوسط. تتبنى فريدريكسن خلطة سياسية تثير الجدل؛ فهي اشتراكية ديمقراطية في التوجه الاجتماعي، لكنها تتبع خطاً يمينياً متشدداً في ملف الهجرة، ما جعلها تبدو أقرب لخصومها المحافظين منه لليسار التقليدي.
لم تكن الدعوة لانتخابات مبكرة مجرد مصادفة سياسية، بل جاءت مدفوعة بقفزة في شعبيتها بعد دفاعها الشرس عن تبعية غرينلاند للتاج الدنماركي، رداً على مقترحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بشرائها. هذا الملف منحها زخماً كبيراً، وحوّل الدعاية الانتخابية إلى قضايا أمن ودفاع وطني، وصوّرها في عيون الناخبين كضامن وحيد لبقاء الإقليم جزءاً من المملكة.
قبل أشهر فقط، كانت التوقعات تشير إلى قرب نهاية المسار السياسي لفريدريكسن. عانى الاشتراكيون الديمقراطيون من هزائم قاسية، أبرزها فقدان رئاسة بلدية كوبنهاغن لأول مرة منذ قرن، وتراجعهم أمام “اليسار الأخضر” في الانتخابات الأوروبية 2024. الشارع كان غاضباً من غلاء المعيشة وأزمة السكن، ووصف المحللون النتائج حينها بأنها تصويت عقابي ضد عجز الحكومة.
تدخلت العوامل الخارجية لإنقاذ الموقف؛ فالتهديدات الأمريكية بضم غرينلاند أعادت ترتيب الأولويات لدى الناخب الدنماركي. وبينما كانت الاستطلاعات في نوفمبر الماضي تبعد فريدريكسن عن الولاية الثالثة، منحتها تطورات الجزيرة القطبية فرصة لقلب موازين الرأي العام واستعادة المبادرة السياسية.
توقعات النتائج تضع الحزب الاشتراكي الديمقراطي في الصدارة بنحو 20%، وهي النسبة الأقل للحزب تاريخياً منذ عام 1901. يلاحقه “اليسار الأخضر” الذي تراجع قليلاً، و”التحالف الليبرالي” بقيادة أليكس فانوبسلاغ، الذي استقطب فئة واسعة من الشباب عبر خطاب ليبرالي منفتح.
المعركة بين الكتل ترجح كفة “الكتلة الحمراء” (اليسار) بفارق 6 مقاعد عن “الكتلة الزرقاء” (اليمين والوسط). هذا الفارق يعقد حسابات أحزاب الوسط واليمين الساعية للإطاحة بفريدريكسن، ويجعل الوصول إلى السلطة عملية معقدة تتطلب تحالفات شاقة.
يواجه البرلمان الدنماركي تشتتاً غير مسبوق مع احتمال حصول 12 حزباً سياسياً على تمثيل، إلى جانب المقاعد الأربعة المخصصة لغرينلاند وجزر فارو. فريدريكسن التزمت الصمت طوال الحملة بشأن شكل الحكومة المقبلة، ولم تقدم أي تلميحات واضحة حول شركائها المستقبليين.
رئيسة الوزراء لم تستبعد العودة إلى أحضان اليسار التقليدي لتأمين الأغلبية، رغم خطابها السابق الرافض للانقسام الأيديولوجي بين “الأحمر والأزرق”. ترهن فريدريكسن تحركاتها المقبلة بمدى قدرتها على المناورة داخل برلمان مبعثر القوى، بانتظار ليلة فرز طويلة ستحدد قدرتها على بناء حكومة مستقرة.
