الولايات المتحدة تصعد الضغط في الكاريبي: ناقلة نفط سابعة بقبضة واشنطن
واشنطن تعزز حصارها النفطي على فنزويلا بعملية 'الرمح الجنوبي' وتثير تساؤلات قانونية دولية

اعترضت القوات الأمريكية ناقلة النفط “ساغيتا” في منطقة البحر الكاريبي، في خطوة وصفتها واشنطن بأنها جاءت في تحدٍ صريح لحظر السفن الخاضعة للعقوبات الذي فرضه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في ديسمبر الماضي. كانت الناقلة قد اختفت عن أنظمة التتبع قبل شهرين في بحر البلطيق، وكانت تبحر بإشارة جهاز الإرسال والاستقبال متقطعة وتحت علم ليبيريا، على الرغم من سجلها في تجارة النفط الروسي والفنزويلي.
وأكد بيان صادر عن القيادة الجنوبية الأمريكية أن العملية جرت دون مقاومة، وبالتنسيق مع وزارة الأمن الداخلي وخفر السواحل ووزارة العدل. ولخص البيان، الذي نشر على منصة X، الموقف بالقول: “إن الاستيلاء على ناقلة نفط أخرى تتحدى حظر الرئيس ترامب يظهر تصميمنا على تطبيق العقوبات وضمان أن النفط الفنزويلي لا يتم تداوله إلا بشكل قانوني”. وتعزز هذه الصيغة التوجه نحو عسكرة سياسة العقوبات.
وباحتجاز “ساغيتا”، يرتفع عدد السفن التي جرى الاستيلاء عليها منذ العاشر من ديسمبر إلى سبع، وتشمل القائمة كلاً من “سكيبر”، و”سنتشوريز”، و”مارينيرا” (التي كانت تعرف سابقاً باسم بيلا 1)، و”إم صوفيا”، و”أولينا”، و”فيرونيكا”، التي جرى احتجازها قبل أسبوع واحد فقط.
عملية “الرمح الجنوبي”: من الحظر إلى اعتقال مادورو
لا يمثل احتجاز “ساغيتا” حادثة منفصلة، بل هو أحدث مراحل عملية “الرمح الجنوبي”، وهي الحملة التي أطلقتها واشنطن في منطقة البحر الكاريبي، والتي بدأت في الأصل تحت مظلة مكافحة تهريب المخدرات، لكنها تحولت فعلياً إلى حصار نفطي.
ومنذ ديسمبر، نشرت الولايات المتحدة أحد أكبر تجمعاتها البحرية في المنطقة منذ الحرب الباردة، حيث نسقت حاملات الطائرات والمدمرات والطيران البحري ووحدات العمليات الخاصة في البداية اعتراض السفن الخاضعة للعقوبات، ثم شنت هجوماً خاطفاً على كاراكاس انتهى باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو وزوجته، ونقلهما إلى نيويورك لمحاكمتهما.
وتجمع الرواية الرسمية بين الخطاب المناهض للإرهاب، والحرب على المخدرات، و”تحرير” الموارد الفنزويلية. ترى إدارة ترامب أن هذه الإجراءات تهدف إلى تصحيح عقود من “النهب” بعد تأميم الصناعة في عام 1976 وإعادة تنظيمها في عام 2007، وإعادة دور محوري للشركات الأمريكية والحليفة في استغلال حزام أورينوكو النفطي. لكن النتيجة المباشرة أكثر وضوحاً: كل من يرغب في نقل النفط الفنزويلي في منطقة البحر الكاريبي يدرك أنه قد يواجه قوات المارينز على متن سفينته في غضون ساعات.
معركة البراميل: أرقام الحصار
وراء لغة الأمن القومي، تكمن عملية استيلاء مادي على براميل النفط. ووفقاً لتصريحات ترامب، فقد قامت الولايات المتحدة بالفعل بتأمين أو التعهد بتأمين حوالي 50 مليون برميل من النفط الفنزويلي، وتخطط لطرحها في السوق تحت مظلة ما يسمى بـ “صفقة الطاقة الكبرى”.
وتصل سعة الشحن الإجمالية لناقلات النفط السبع التي جرى احتجازها حتى الآن إلى حوالي 8-9 ملايين برميل، مع الأخذ في الاعتبار أن العديد منها من فئات VLCC و Aframax، التي تتجاوز سعة كل منها 1.5 مليون برميل.
ويمثل هذا جزءاً صغيراً من سوق يستهلك حوالي 100 مليون برميل يومياً، لكنه كافٍ لإرسال رسالة قوية لشركات الشحن والتجار وشركات التأمين: تدفقات النفط الخاضعة للعقوبات لم تعد مجرد لعبة براعة بيروقراطية، بل أصبحت خطراً مادياً مباشراً.
وفي موازاة ذلك، قدم البيت الأبيض خطة بقيمة 100 مليار دولار “لتحديث” البنية التحتية النفطية في فنزويلا، بينما أكدت الرئيسة المؤقتة الجديدة، ديلسي رودريغيز، وصول 300 مليون دولار من حزمة أولى من المبيعات المتفق عليها مع واشنطن.
التصميم واضح: خنق القنوات غير الشفافة، استيعاب تدفقات النفط الفنزويلي، وفي الوقت نفسه، تمويل إعادة بناء القطاع تحت وصاية أمريكية.
“أسطول الظل” تحت ضغط شديد
تُعد “ساغيتا” مثالاً واضحاً على كيفية تحول تجارة النفط الخاضع للعقوبات. فقد كانت السفينة، المرتبطة بشبكات غامضة تجمع بين مصالح روسية وفنزويلية ووسطاء آسيويين، قد خضعت بالفعل لعقوبات سابقة لنقلها النفط بأسعار تتجاوز السقف المفروض على موسكو بعد غزو أوكرانيا.
ويتميز “أسطول الظل” هذا بتغيير الأعلام والأسماء بشكل مستمر، وفصل نظام تحديد الهوية الآلي (AIS)، واستخدام تأمينات مشكوك فيها، وعمليات النقل من سفينة إلى سفينة في عرض البحر. وقد أدى توسع هذه الشبكة منذ عام 2022 إلى تضاعف عدد السفن ذات التغطية التأمينية غير الكافية أو المعدومة، مما يزيد من مخاطر التسربات والحوادث في مسارات الشحن الحيوية.
مع عملية “الرمح الجنوبي”، قررت واشنطن ضرب الحلقة الأكثر ضعفاً: العبور عبر منطقة البحر الكاريبي. وتوضح سفن مثل “فيرونيكا” – وهي سادس ناقلة نفط جرى الاستيلاء عليها، وتحمل علم غيانا ولها تاريخ روسي – مدى تلاشي الحدود بين التجارة “القانونية” والتهرب من العقوبات.
النتيجة واضحة: ترتفع أقساط المخاطر والتأمين للعمل في المنطقة بشكل كبير، بينما تقوم شركات الشحن وبيوت التجارة بمراجعة العقود وبنود القوة القاهرة والطرق البديلة لتجنب الوقوع بين مطرقة واشنطن وسندان موسكو وبكين وطهران.
تأثير فوري على أسواق النفط الخام
ومن المفارقات أن هذا الهجوم البحري يأتي في سياق وفرة في المعروض. تتوقع وكالة الطاقة الدولية أنه بحلول عام 2026، سيتجاوز العرض العالمي الطلب بنحو 3.8 مليون برميل يومياً، مما يحافظ على الضغط الهبوطي على الأسعار.
وعلى الرغم من التوترات في فنزويلا وإيران والبحر الأسود، يتراوح سعر خام برنت حول 64 دولاراً للبرميل، ويتحرك خام غرب تكساس الوسيط حول 60 دولاراً، وهي مستويات بعيدة عن الذروات الأخيرة وتتسق مع سوق أكثر قلقاً بشأن المخزونات الزائدة من ندرة المعروض.
ويتحدث المحللون عن “ثلاثية جيوسياسية” تضيف تقلبات، لكنهم يؤكدون أن جزءاً كبيراً من النفط الذي يبحر اليوم ينتمي تحديداً إلى شحنات خاضعة للعقوبات من إيران وروسيا وفنزويلا، مخزنة في أساطيل بانتظار وجهتها.
وفي هذا السياق، فإن حصار ترامب له تأثير مزدوج: فمن ناحية، يعيد ترتيب من يستحوذ على قيمة هذه البراميل، مفضلاً التجار والشركات الغربية القادرة على العمل بموجب التراخيص الأمريكية؛ ومن ناحية أخرى، يقدم عاملاً إضافياً من عدم اليقين القانوني الذي قد يثبط الاستثمار على المدى المتوسط في المشاريع الثقيلة وعالية التكلفة مثل تلك الموجودة في حزام أورينوكو.
تساؤلات قانونية حول حصار بلا تفويض
بعيداً عن الجانب الاقتصادي، تفتح تحركات واشنطن جبهة حساسة في المجال القانوني. فقد شكك العديد من خبراء القانون الدولي في شرعية الهجوم على كاراكاس والحصار البحري، مذكّرين بأنه لا يوجد تفويض من مجلس الأمن، ولم يُزعم وجود حالة دفاع مشروع فوري.
وصفت عدة دول – من كوبا إلى الصين وروسيا – عمليات مصادرة السفن بأنها “قرصنة” و”إرهاب بحري”، بينما حذر تحليل لمجلس الأمن في ديسمبر من خطر تدهور النظام العالمي للملاحة الحرة إذا ترسخت هذه الممارسة كسابقة.
حتى القانونيون الأمريكيون يقرون بأن مفهوم “الحظر” – الذي ورثته أزمة صواريخ كوبا – يتحرك على الحدود الفاصلة بين العقوبات الانتقائية والحصار المحظور بموجب ميثاق الأمم المتحدة.
في أوروبا، جاء رد الفعل متفاوتاً. فقد حذرت ألمانيا في ديسمبر من الإجراءات التي “تعرض السلام والأمن الإقليميين للخطر” بعد الإعلان عن حظر ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات.
التباين صارخ: فبينما يقدم الخطاب الرسمي في واشنطن العملية على أنها تعزيز للنظام الليبرالي في مواجهة الأنظمة الاستبدادية، يرى جزء كبير من المجتمع القانوني الدولي فيها تآكلاً، على وجه التحديد، للقواعد التي دعمت هذا النظام منذ عام 1945.









