عرب وعالم

الولايات المتحدة تتملص من مراجعة أممية لحقوق الإنسان: تحدٍ جديد للمنظومة الدولية

واشنطن ترفض المشاركة في مراجعة سجلها الحقوقي الأممي لأول مرة.. ما دلالات القرار وتداعياته؟

في خطوة غير مسبوقة، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية انسحابها من المشاركة في المراجعة الدورية الشاملة لسجلها الحقوقي أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، والتي كانت مقررة هذا الأسبوع في جنيف. يمثل هذا القرار، الذي يُعد الأول من نوعه، تحديًا مباشرًا لآليات الرقابة الدولية ويثير تساؤلات حول التزام واشنطن بمبادئ الشفافية والمساءلة على الساحة العالمية.

تحدٍ غير مسبوق لآليات الرقابة

أعرب مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة عن أسفه العميق لقرار واشنطن، مؤكدًا أن هذه المراجعة، المعروفة باسم «المراجعة الدورية الشاملة»، هي عملية أساسية تشارك فيها جميع الدول الأعضاء لتقييم سجلها الحقوقي من قبل نظرائها. يُنظر إلى هذا الانسحاب على أنه خرق لتقليد طويل من التعاون، ويُرجّح مراقبون أنه يعكس تحولًا في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المؤسسات المتعددة الأطراف، أو ربما محاولة لتجنب التدقيق في قضايا حساسة.

دلالات التباين بين الانسحابين

تأتي هذه الخطوة في أعقاب انسحاب الإدارة الأمريكية مؤخرًا من مجلس حقوق الإنسان نفسه، إلا أن المفارقة تكمن في أن الانسحاب السابق عام 2018، خلال فترة رئاسة دونالد ترامب، لم يمنع الولايات المتحدة من المشاركة في المراجعة الشاملة التي أجريت عام 2020. هذا التباين يشير إلى أن القرار الحالي قد يكون أكثر من مجرد احتجاج، بل ربما يعكس استراتيجية أوسع لإعادة تعريف العلاقة مع آليات الرقابة الأممية، أو قد يكون مرتبطًا بضغوط داخلية أو خارجية معينة.

مرونة أممية للحفاظ على المبدأ

حث أعضاء مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة واشنطن على استئناف التعاون مع عملية المراجعة الدورية الشاملة، معلنين عن تغيير موعدها إلى عام 2026، مع إمكانية إجرائها قبل ذلك إذا ما أعادت الولايات المتحدة انخراطها. هذه المرونة من جانب المجلس تُبرز حرصه على الحفاظ على مبدأ الشمولية الذي تقوم عليه هذه الآلية، وتؤكد على أن نظام المراجعة الحقوقية الأممية يعتمد على المشاركة المتساوية لجميع أعضاء الأمم المتحدة لضمان فعاليته ومصداقيته.

تداعيات على المصداقية والدور الدولي

في هذا السياق، يرى الدكتور أيمن عبد الوهاب، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاهرة، أن «انسحاب واشنطن من هذه المراجعة يبعث برسالة سلبية للغاية حول التزامها بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان، ويُمكن أن يُفسر كنوع من التهرب من المساءلة، خاصة في ظل انتقادات داخلية وخارجية لسجلها في هذا المجال». ويضيف أن هذه الخطوة قد تمنح دولًا أخرى ذريعة للتقاعس عن التعاون مع آليات الأمم المتحدة، مما يهدد بتقويض النظام برمته.

يُرجّح محللون أن يؤثر هذا الانسحاب سلبًا على مصداقية الولايات المتحدة كداعم رئيسي لحقوق الإنسان على الساحة الدولية، ويضعف من قدرتها على توجيه الانتقادات للدول الأخرى بشأن سجلاتها الحقوقية. كما أنه يمثل تحديًا للمنظومة الأممية التي تسعى لتعزيز الشفافية والمساءلة، وقد يُشجع دولًا أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة، مما يهدد بتقويض فعالية آليات الرقابة الدولية ويزيد من تعقيد المشهد الحقوقي العالمي.

في الختام، لا يُعد انسحاب الولايات المتحدة من المراجعة الحقوقية الأممية مجرد قرار إجرائي، بل هو مؤشر على تحول محتمل في نهج واشنطن تجاه التزاماتها الدولية ومسؤولياتها. هذه الخطوة قد تترك تداعيات بعيدة المدى على مكانة الولايات المتحدة في العالم، وتطرح تساؤلات جدية حول مستقبل التعاون الدولي في مجال حقوق الإنسان ومدى قدرة المنظمات الأممية على فرض معاييرها على القوى الكبرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *