مع تزايد شعبية الوشم حول العالم، وتحوله إلى ظاهرة ثقافية وجمالية واسعة الانتشار، خاصة بين الشباب في المنطقة العربية، يُقبل الكثيرون على تزيين أجسادهم برسومات دائمة. هذه التجربة، التي تجمع بين الإثارة والألم، تحمل في طياتها مخاطر صحية غير متوقعة بدأت تظهر مؤخراً. إذ يكشف الخبراء عن تزايد في حالات تشخيصية لحالة عينية نادرة لكنها خطيرة، تُعرف بـ «التهاب العنبية المرتبط بالوشم»، والتي قد تؤدي إلى فقدان البصر بشكل دائم.
يتساءل الكثيرون عن العلاقة بين الوشم وصحة العين، وكيف يمكن لحبر مرسوم على الجلد أن يؤثر على أحد أهم الحواس لدينا؟ يبدأ الأمر عادة بمكونات أحبار الوشم نفسها. فبعض هذه الأحبار، المستخدمة على نطاق واسع في العديد من الدول، قد تحتوي على مواد كيميائية تعتبر سامة، ولها صلة محتملة بتطوير بعض أنواع السرطان.
تثير هذه المسألة قلقاً كبيراً على الصعيد التنظيمي، فبينما تفرض بعض الهيئات الرقابية، مثل الاتحاد الأوروبي، قيوداً صارمة وتحظر العديد من المكونات الكيميائية في أحبار الوشم، تسمح تشريعات أخرى، ومنها ما هو موجود في بعض الدول، باستخدام هذه الأحبار دون قيود مماثلة. هذا التفاوت يعني أن الكثير من الأحبار المحظورة في أسواق متقدمة يمكن أن تتداول بحرية في أسواق أخرى، مما يعرض المستهلكين لمخاطر محتملة.
على الرغم من أن غالبية الأشخاص لا يظهرون رد فعل سلبي تجاه هذه المواد الكيميائية، إلا أن جهاز المناعة لدى بعض الأفراد قد يستجيب لهذه المكونات بشكل عدائي. عندما يدرك الجسم أن هذه الأحبار مواد غريبة وخطيرة، يبدأ بشن هجوم عليها، مما يسبب التهاباً ليس فقط في منطقة الوشم، بل يمكن أن يمتد ليؤثر على أجزاء أخرى من الجسم.
هذه الخلايا الالتهابية، التي تنشأ من موقع الوشم، قد تتمكن من اختراق الحاجز الدموي العيني، وهو بنية حيوية شبيهة بالجدار مصممة لحماية الأجزاء الداخلية للعين. وفي حال حدوث هذا الاختراق، يمكن أن ينتشر الالتهاب إلى مناطق مختلفة داخل العين، مسبباً أضراراً بالغة.
من بين الأجزاء التي قد تتأثر هي العنبية، وهي الطبقة الوسطى من العين، والتي تلعب دوراً حاسماً في قدرة العين على التركيز على الأجسام القريبة. تحتوي العنبية أيضاً على القزحية، وهي الجزء الملون من العين الذي يحدد لون العينين لدى كل فرد.
عندما تلتهب العنبية، قد يصاب الشخص بحالة نادرة تعرف بـ «التهاب العنبية المرتبط بالوشم». وتشمل الأعراض الظاهرة لهذه الحالة ألماً مفاجئاً في العين، واحمراراً شديداً، بالإضافة إلى زيادة حساسية العين للضوء، مما يستدعي تدخلاً طبياً عاجلاً.
في الحالات المتقدمة والخطيرة، قد تتطور هذه الحالة لتؤدي إلى مضاعفات أشد، مثل الجلوكوما، وهي مجموعة من أمراض العين التي تتسبب في تلف العصب البصري، أو قد تؤدي إلى تندب العين. وكلا هاتين المضاعفتين، إذا ما أُهملا أو تأخر علاجهما، يمكن أن يؤديا إلى فقدان البصر الدائم.
من هم الأكثر عرضة للخطر؟
كشفت دراسات حديثة، شملت مراجعة لحالات التهاب العنبية المرتبط بالوشم، عن تزايد ملحوظ في عدد الإصابات. فوفقاً لتقرير صدر عام 2025، تضاعف عدد الحالات العالمية المعروفة منذ عام 2010، مما يشير إلى أن هذه المشكلة، وإن كانت لا تزال نادرة نسبياً، إلا أنها تتجه نحو أن تصبح تحدياً صحياً يستدعي الانتباه.
بالرغم من ندرة هذه الحالة، يرى العلماء أنها قد تكون أكثر شيوعاً مما نتوقع، ويصفها بعضهم بأنها قضية صحية عامة تتطلب المزيد من البحث والتوعية. فقد أشارت الأبحاث إلى أن الالتهاب في موقع الوشم يعد مؤشراً ثابتاً لهذه الحالة، وأن ظهور الالتهاب قد يتراوح بين ثلاثة أشهر وعشر سنوات بعد الحصول على الوشم، مما يدل على أن المخاطر قد لا تظهر فوراً.
أظهرت مراجعات بحثية أن هناك عوامل معينة تزيد من احتمالية الإصابة بالتهاب العنبية المرتبط بالوشم. فالتصاميم الكبيرة للوشم، وخاصة تلك التي تستخدم الحبر الأسود بكثرة، ارتبطت بمعدلات أعلى من الإصابة. ويعود ذلك جزئياً إلى أن الحبر الأسود غالباً ما يحتوي على جزيئات الكربون ومعادن ثقيلة قد تثير استجابة مناعية أقوى.
تشير الدراسات الحالية إلى أن التهاب العنبية المرتبط بالوشم يصيب الرجال والنساء بمعدلات متساوية. ومع ذلك، فإن الأشخاص الذين يعانون من أجهزة مناعية شديدة النشاط، أو لديهم تاريخ من أمراض المناعة الذاتية، هم أكثر عرضة للإصابة بهذه الحالة، حيث يكون جهازهم المناعي أكثر استعداداً للاستجابة المفرطة للمواد الغريبة.
يزداد هذا الخطر بشكل خاص لدى الأفراد الذين يعانون من حالات طبية موجودة مسبقاً، مثل التصلب المتعدد، وأنواع معينة من التهاب المفاصل، وأمراض الأمعاء الالتهابية. كما توجد أدلة تشير إلى أن الأشخاص المصابين بالساركويد، وهو مرض يسبب التهاباً في أعضاء الجسم المختلفة، وخاصة الرئتين، قد يكونون أكثر عرضة للإصابة بالتهاب العنبية المرتبط بالوشم بسبب الطبيعة الالتهابية لأجسامهم.
هل يمكن علاج الحالة؟
على الرغم من تعقيد الحالة، تتوفر خيارات علاجية لالتهاب العنبية المرتبط بالوشم، إلا أن فعاليتها قد تختلف من شخص لآخر، ولا تضمن الشفاء التام للجميع.
يمكن معالجة الحالات الخفيفة من التهاب العنبية بواسطة قطرات العين الستيرويدية. تعمل هذه القطرات عن طريق كبت نشاط الخلايا المناعية المسببة للالتهاب، كما تساهم في تقوية الحاجز الدموي العيني، وهو ما يمنع المواد الضارة من اختراق العين.
ولكن في معظم الحالات، يتطلب الأمر تدخلاً طبياً أكثر قوة، حيث يقوم أطباء العيون بحقن الستيرويدات مباشرة في مقلة العين. يضمن هذا الإجراء وصول الدواء إلى المنطقة الأكثر التهاباً بشكل مباشر، مما يتيح له العمل بفعالية وسرعة. قد يحتاج المرضى أيضاً إلى تناول أدوية مثبطة للمناعة، مثل الميثوتريكسات أو أداليموماب، لفترات قد تمتد لعدة أشهر أو حتى سنوات، للتحكم في الاستجابة المناعية المزمنة.
ومع ذلك، لا ينجح العلاج دائماً في منع المضاعفات الخطيرة. فوفقاً للإحصائيات، يعاني حوالي 75% من المرضى من فقدان مؤقت للرؤية حتى بعد تلقي العلاج، بينما يصاب 17% بفقدان دائم للبصر. كما أن العديد منهم يطورون إعتام عدسة العين (الكاتاراكت) أو الجلوكوما، وهما حالتان يمكن أن تؤديا أيضاً إلى فقدان دائم للرؤية أو العمى.
لذا، إذا كنت تحمل وشماً ولاحظت أي تورم أو احمرار غير طبيعي في موقع الوشم، فمن الضروري استشارة أخصائي عيون أو طبيب عيون في أقرب وقت ممكن لتقييم الحالة. يجب عليك أيضاً طلب المساعدة الطبية الفورية إذا عانيت من أي مشاكل في الرؤية، مثل ألم مفاجئ أو احمرار في العين، أو حساسية للضوء.
في حال تشخيص إصابتك بالتهاب العنبية المرتبط بالوشم، سيتم تحويلك إلى طبيب عيون متخصص لتلقي العلاج المناسب. لا يزال هناك الكثير لنتعلمه عن التهاب العنبية المرتبط بالوشم، لكن مع تزايد شعبية الوشم، وخاصة التصاميم الكبيرة وتلك التي تستخدم الحبر الأسود بكثرة، فمن المتوقع أن يستمر عدد الحالات في الارتفاع، مما يستلزم وعياً صحياً أكبر وتدابير وقائية.
