الهند تلوح بـ’سافران’ الفرنسية: هل تتخلى نيودلهي عن محركات المقاتلات الأمريكية؟

في سباق محموم لتعزيز قدراتها الدفاعية، يبدو أن الهند تتجه نحو خيارات جديدة لمستقبل محركات المقاتلات لديها. فبينما تتعثر مفاوضات التصنيع المشترك مع واشنطن، تبرز باريس كبديل محتمل لتزويد طائرات نيودلهي المتقدمة بقلوب فرنسية الصنع.
هذا التحول المحتمل، الذي نقلته بلومبرغ عن مسؤولين رفيعي المستوى في نيودلهي، يفتح الباب أمام تساؤلات حول استراتيجية الهند لتنويع مصادرها العسكرية، بعيدًا عن الاعتماد التقليدي على جهة واحدة.
سباق على قلوب المقاتلات: من جنرال إلكتريك إلى سافران
لم يكن الأمر وليد اللحظة؛ فالمقاتلة الهندية المتطورة “تيجاس مارك-2“، التي تعد فخر الصناعة المحلية، كان من المخطط لها أصلاً أن تعمل بمحرك “جنرال إلكتريك إف-414” أمريكي الصنع. اتفاق مبدئي بين نيودلهي وواشنطن، في عهد إدارة الرئيس السابق جو بايدن، كان قد وضع أساسًا لبرنامج تصنيع مشترك يهدف إلى تعزيز الشراكة الدفاعية بين البلدين.
لكن، وكما هي الحال في عالم الصفقات العسكرية المعقد، تباطأت المحادثات مؤخرًا، تاركة الباب مفتوحًا أمام بدائل. وهنا يأتي اسم شركة “سافران إس إيه” الفرنسية العملاقة، التي تُجري الهند معها مناقشات سرية حول إمكانية الاستعانة بمحركاتها، وإن لم يتضح بعد ما إذا كانت نيودلهي تتجه نحو الشراء المباشر أم تبحث عن صيغة للإنتاج المشترك.
الضرورة الدفاعية: لماذا تستعجل الهند؟
تخطط الدولة الآسيوية لبناء ما يقرب من 200 طائرة نفاثة متطورة، في مسعى حثيث لإحلال أسطولها القديم الذي يضم طائرات “جاكوار” البريطانية و”ميراج-2000″ الفرنسية. هذه الطائرات، التي خدمت عقودًا في سماء الهند، باتت تحتاج لمن يخلفها في مهمة حماية السيادة الجوية، خاصة في ظل التحديات الإقليمية المتزايدة.
الدافع الأكبر لهذه الخطط الطموحة ليس رفاهية عسكرية، بل ضرورة ملحة فرضتها أحداث ميدانية. فقد شهدت الهند حربًا شبه شاملة مع باكستان في وقت سابق من العام، تخللتها ضربات جوية وهجمات بطائرات مسيرة وصواريخ، بالإضافة إلى اشتباكات عنيفة على طول الحدود المشتركة. هذه الأحداث أكدت لنيودلهي أهمية امتلاك قدرات دفاعية ذاتية وقوية.
استراتيجية مودي: من أكبر مستورد إلى مصنع محلي
لطالما كانت الهند ثاني أكبر مستورد للأسلحة في العالم، وفقًا لتقارير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام. لكن رئيس الوزراء ناريندرا مودي يهدف إلى تغيير هذا الواقع، من خلال تعزيز التصنيع المحلي للمعدات العسكرية، وتقليل الاعتماد على الواردات. هذا الهدف ليس مجرد شعار سياسي، بل هو جزء من رؤية أوسع لتحقيق الاكتفاء الذاتي الاستراتيجي.
في خطوة غير مسبوقة، سمحت الهند في وقت سابق من هذا العام للشركات الخاصة المحلية بتصميم وتطوير طائرات حربية متقدمة. هذا التحول يعكس رغبة حقيقية في إطلاق العنان للإمكانات الصناعية الهندية، والاستفادة من خبرات القطاع الخاص في دفع عجلة الابتكار الدفاعي.
علاقات معقدة: واشنطن ونيودلهي في الميزان
تأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه العلاقات الأميركية الهندية بعض التوتر. فبعد أن فرض الرئيس السابق دونالد ترامب رسومًا جمركية بنسبة 50% على الهند، وهي الأعلى في المنطقة، دخلت العلاقات مرحلة من التحدي. ورغم ذلك، سعى الجانبان إلى الحفاظ على ثبات التزاماتهما الدفاعية.
ففي الأسبوع الماضي، زار فريق من وزارة الحرب الأميركية ومسؤولين تنفيذيين من شركة “بوينج” الهند للتفاوض على بيع طائرات مراقبة بقيمة حوالي 4 مليارات دولار. هذا يعكس الرغبة المشتركة في الفصل بين الخلافات التجارية والتعاون الاستراتيجي، خاصة في مجال الدفاع.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة الآن: هل تنجح الهند في الموازنة بين طموحاتها في التصنيع المشترك مع واشنطن، وبين إغراءات البدائل الأوروبية، لتأمين مستقبل محركات مقاتلاتها وتعزيز مكانتها كقوة دفاعية صاعدة؟ الأيام القادمة ستكشف عن الوجهة النهائية لنيودلهي في هذا الملف الشائك.









