تواجه المصانع البريطانية أكبر انفجار في تكاليف الإنتاج منذ عام 1992. الصراع المتصاعد في الشرق الأوسط ضرب الاقتصاد البريطاني في مقتل؛ والنشاط الاقتصادي تباطأ إلى أدنى مستوياته في ستة أشهر. الصورة تبدو قاتمة: نمو متعثر وتضخم يهدد المملكة المتحدة.
كشفت القراءة الأولية لمؤشر مديري المشتريات (PMI) الصادرة عن S&P Global تراجعاً حاداً في وتيرة النشاط خلال مارس. شمل التراجع قطاعي الصناعة والخدمات. المؤشر لا يزال في المنطقة الإيجابية، لكن التباطؤ يثير قلقاً جدياً بشأن مسار النمو والتضخم، خاصة مع اشتعال الصراع العسكري في المنطقة.
طارت تكاليف المدخلات لمستويات قياسية. أسعار الوقود والنقل والمواد الخام المستهلكة للطاقة هي المحرك الأساسي. سجل مقياس S&P لتكاليف قطاع المصانع أسرع تسارع شهري منذ انهيار الجنيه الإسترليني وخروجه من آلية سعر الصرف الأوروبية عام 1992، وهي الكارثة المعروفة بـ “الأربعاء الأسود” التي هزت الأسواق المالية حينها.
قفز خام “برنت” بنحو 50% منذ 28 فبراير الماضي، وصعدت أسعار الغاز بأكثر من 90%. لا يوجد سقف لأسعار الطاقة يحمي الشركات البريطانية من هذه التقلبات العنيفة؛ مما يجعلها مكشوفة تماماً أمام الأزمة العالمية. الاضطرابات في مضيق هرمز خنقت سلاسل الإمداد ورفعت التكاليف العالمية فوراً باعتباره شرياناً حيوياً لتجارة النفط.
رفعت الشركات أسعار منتجاتها بأسرع وتيرة منذ أبريل 2025 لتعويض الخسائر، وهي خطوة سيتحمل المستهلك البريطاني تبعاتها قريباً. في الوقت نفسه، انكمش قطاع التوظيف للشهر الثامن عشر على التوالي؛ مما يؤكد حجم الضغوط التي يواجهها سوق العمل تحت وطأة هذه الأوضاع.
يجد بنك إنجلترا نفسه أمام خيارات صعبة. المصرف المركزي يحاول منع التضخم الناتج عن أسعار الطاقة من التجذر في الاقتصاد، لكنه يخشى في الوقت ذاته أن تؤدي سياسات التشديد النقدي ورفع الفائدة إلى كبح إضافي للنمو الهش.
تؤكد بيانات “إل إس إي جي” أن الأسواق استوعبت بالفعل زيادة بنصف نقطة مئوية في أسعار الفائدة قبل نهاية العام الجاري. ومن المتوقع بقاء تكاليف النفط والغاز فوق مستويات ما قبل الحرب لفترة طويلة؛ فحتى لو توقفت الحرب غداً، فإن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة في منطقة الخليج ستبقي الأسعار مرتفعة.
يقول كريس ويليامسون، كبير خبراء الاقتصاد في S&P Global Market Intelligence: “نمو الإنتاج يزحف بصعوبة. الشركات تلوم أحداث الشرق الأوسط بشكل مباشر، سواء عبر تزايد المخاطر، أو ضغوط الأسعار، أو اضطرابات السفر وسلاسل التوريد”.
يؤكد ويليامسون أن الضغوط التضخمية تصاعدت بقوة نتيجة أزمة الطاقة وتصدع سلاسل الإمداد. تسارع نمو التكاليف في قطاع التصنيع هو الأشد منذ تدهور الجنيه الإسترليني عام 1992. بنك إنجلترا سيواجه فترة عصيبة للموازنة بين مخاطر الركود وضرورة كبح التضخم المتوقع دون تدمير ما تبقى من نمو.
