المتحف المصري الكبير: أيقونة بمليار دولار تراهن عليها مصر لإنعاش الاقتصاد
بعد عقدين من الانتظار، كيف سيغير أضخم متحف في العالم وجه السياحة في مصر ويصبح قاطرة لجذب العملة الصعبة؟

بعد انتظار دام عقدين من الزمن، تقترب مصر من افتتاح المتحف المصري الكبير، الذي لا يمثل مجرد صرح ثقافي، بل حجر زاوية في خطة الدولة لتحديث بنيتها التحتية ورهان استراتيجي لإنعاش أحد أهم قطاعات اقتصادها. هذا المشروع الضخم يُنظر إليه باعتباره قاطرة أساسية لدفع عجلة السياحة وتأمين مصدر حيوي للعملة الأجنبية التي تحتاجها البلاد.
صرح عملاق على هضبة الأهرام
على مشارف القاهرة، وبجوار أهرامات الجيزة الخالدة، ينهض المتحف المصري الكبير بتكلفة تجاوزت المليار دولار، ليصبح أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة. يضم الصرح بين جدرانه أكثر من 50 ألف قطعة أثرية تروي تفاصيل الحياة في مصر القديمة، وهو رقم يتجاوز ما يعرضه متحف اللوفر الشهير في باريس، والذي يضم حوالي 35 ألف قطعة معروضة.
يتميز تصميم المتحف بواجهته الزجاجية الشاهقة التي تحاكي شكل الأهرامات، بينما يستقبل الزوار في بهوه الرئيسي تمثال رمسيس العظيم، الذي نُقل من قلب القاهرة الصاخب ليقف شامخًا في مقره الجديد. ومن البهو، يصعد الزوار عبر درج فخم تصطف على جانبيه تماثيل أثرية، وصولًا إلى قاعات العرض الرئيسية التي تطل مباشرة على الأهرامات، في تجربة بصرية فريدة تربط الماضي بالحاضر.
كنوز الملك الذهبي تظهر كاملة
لأول مرة منذ اكتشاف مقبرة الملك توت عنخ آمون عام 1922، سيتمكن العالم من رؤية مجموعته الكاملة التي تضم أكثر من 5000 قطعة أثرية، معروضة في قاعتين مخصصتين. فالمساحات المحدودة في المتحف المصري القديم بميدان التحرير حالت دون عرض هذه الكنوز مجتمعة، وهو ما يحققه المتحف المصري الكبير أخيرًا.
خضعت العديد من القطع لعمليات ترميم دقيقة في مركز الحفظ المتطور التابع للمتحف، بما في ذلك العربات الحربية والأسرة الجنائزية للفرعون الشاب. ستُعرض هذه القطع إلى جانب عرشه الذهبي وقناعه الأيقوني، بالإضافة إلى مركب خوفو الشمسي الذي يعود تاريخه إلى 4600 عام، والذي يمثل إحدى أبرز معروضات المتحف.
ما وراء الحجر: رؤية اقتصادية وسياسية
يمثل المتحف المصري الكبير أكثر من مجرد مشروع ثقافي؛ إنه تجسيد لرؤية سياسية واقتصادية أوسع تبناها الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ عام 2014، والتي ترتكز على المشاريع القومية الضخمة كأداة لتحديث الدولة وتحفيز النمو. فالمتحف ليس فقط نافذة على الحضارة المصرية العريقة، بل هو أصل اقتصادي واستثماري مصمم لتوليد إيرادات مستدامة بالعملة الصعبة.
إن ضخامة المشروع وتكلفته الباهظة، رغم التحديات الاقتصادية، تحمل رسالة بأن الدولة قادرة على إنجاز مشاريع بهذا الحجم، مما يعزز من “قوتها الناعمة” وصورتها على الساحة الدولية. كما أن المشروع لم يأتِ منفصلًا، بل تزامن مع تطوير شامل للمنطقة المحيطة به، من تمهيد للطرق وإنشاء محطة مترو جديدة وافتتاح مطار سفنكس الدولي، لتحويل منطقة الأهرامات إلى مركز سياحي عالمي متكامل.
أهداف طموحة لمستقبل السياحة
تعلق الحكومة آمالًا كبيرة على المتحف ليكون محفزًا رئيسيًا لتحقيق أهدافها السياحية الطموحة. فبعد أن سجلت البلاد رقمًا قياسيًا قارب 15.7 مليون سائح في عام 2024، تسعى مصر للوصول إلى 30 مليون زائر بحلول عام 2032. ويُنظر إلى المتحف، بما يقدمه من تجربة حديثة ومحتوى ثري، على أنه المنتج السياحي القادر على جذب شرائح جديدة من الزوار وإطالة مدة إقامتهم في القاهرة.









