القاهرة تقود جهودًا دولية لإدارة غزة: لجنة تكنوقراط ومجلس سلام وقوة استقرار
تفاصيل المرحلة الثانية لوقف إطلاق النار في غزة: إدارة انتقالية، إعمار، وتحديات السلاح.

القاهرة تقود تحركات سياسية وأمنية مكثفة في غزة، ضمن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، بهدف تشكيل إدارة انتقالية للقطاع. وتتضمن هذه الإدارة لجنة تكنوقراط، ومجلس سلام دولي، بالإضافة إلى قوة استقرار. تأتي هذه الجهود بالتزامن مع مناقشات حيوية حول إعادة الإعمار، وتحديات ملف السلاح، والضغوط الإسرائيلية المستمرة، مما يترك مصير القطاع رهينًا للتفاهمات الدولية والواقع الميداني المعقد.
تضطلع القاهرة بدور محوري كمركز تنسيق للمرحلة الثانية، حيث استقبلت وفودًا من حركتي حماس والسلطة الفلسطينية. وأسفرت هذه المباحثات السياسية والأمنية عن تشكيل لجنة تكنوقراط تضم 15 شخصية فلسطينية. تتولى اللجنة إدارة الشؤون اليومية للقطاع فور تسلمها زمام الأمور، في ظل تعهد مصري بمتابعة التنفيذ وضمان انتقال سلس يجنب أي فراغ إداري.
وتركزت نقاشات لجنة التكنوقراط، برئاسة علي شعث، على ملفات الإغاثة والخدمات الأساسية، في ظل ظروف إنسانية قاسية يعيشها القطاع. سعت الاجتماعات إلى إعادة تشغيل المرافق الصحية والتعليمية المتبقية، ووضع أسس أولية لعملية إعادة الإعمار في غزة، التي تضم نحو مليونين ونصف المليون فلسطيني، بعد أن دمرت الحرب مقومات الحياة الأساسية.
وفي هذا السياق، أعلن المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف عن البدء الفوري لتنفيذ المرحلة الثانية، في خطوة تعكس رغبة أمريكية ملحة في فرض مسار سياسي جديد، رغم انشغال واشنطن بعدة أزمات دولية متزامنة.
يأتي هذا الإعلان بعد شهور من الجمود، شهدت خلالها غزة استمرارًا لسقوط الضحايا جراء القصف الإسرائيلي، وتفاقم الأوضاع الإنسانية بسبب الظروف المناخية القاسية والانهيار المتواصل.
ويتزامن هذا التطور مع ترقب لقاء محتمل بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في دافوس السويسرية، حيث من المتوقع أن يتصدر ملف غزة أجندة المباحثات الإقليمية. وتوضح المعطيات أن الجمود الذي ساد سابقًا يعزى إلى الموقف الإسرائيلي الذي يفضل الإبقاء على الوضع الراهن، دون أي انسحاب أو تقدم سياسي ملموس في القطاع.
من جانبه، طرح علي شعث، رئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة، ملف الإعمار كأولوية قصوى، مطالبًا بإنشاء صندوق دولي مخصص للقطاع. وأكد شعث أن اللجنة تعتمد على الخطة المصرية التي أقرتها جامعة الدول العربية وحظيت بدعم عربي وإسلامي واسع، مشددًا على أن الإطار العربي يوفر غطاءً سياسيًا وماليًا أكثر قوة من المبادرات الفردية.
وتتجه الأنظار نحو قمة إعمار غزة، التي دعت إليها مصر، بعد تأجيلها من نوفمبر الماضي، مع توقعات بعقدها في فبراير المقبل بالقاهرة أو واشنطن. تقترح الخطة المصرية تمويلًا يقارب 53 مليار دولار، بينما تصل تقديرات الأمم المتحدة إلى 70 مليار دولار، وذلك في ظل دمار يطال أكثر من 85% من البنية العمرانية والخدمية للقطاع.
وتكشف الأرقام الرسمية حجم الكارثة الإنسانية والعمرانية، حيث دمر نحو 300 ألف وحدة سكنية بالكامل، وتضررت 200 ألف أخرى جزئيًا. كما خرج 25 مستشفى من أصل 38 عن الخدمة، وتعرضت المدارس وشبكات المياه والصرف الصحي لأضرار شبه كاملة. ويواجه القطاع تحديًا هائلاً يتمثل في إزالة 55 مليون طن من الأنقاض، مما يزيد من تعقيد أي جدول زمني لعملية الإعمار.
وتتباين التقديرات الزمنية لإعادة الإعمار بشكل كبير، حيث تتراوح بين خمس سنوات وفقًا للرؤية المصرية، وعشرين عامًا بحسب الخطة الأمريكية المعروفة باسم «شروق الشمس».
وبالتوازي مع عمل لجنة التكنوقراط، يجري تشكيل كيانين إضافيين ضمن المرحلة الثانية، وهما «مجلس السلام» و«قوة الاستقرار الدولية». ويعكس هذا التعدد مستويات الإدارة والوصاية المقترحة للقطاع.
وقد أعلنت الجهات المعنية عن التشكيل شبه النهائي لـ«لجنة التكنوقراط»، التي تباشر عملها من القاهرة. وتضم اللجنة عمر شمالي لملف الاتصالات، وعبد الكريم للزراعة، وعائد ياغي للصحة، وجبر الداعور للتعليم، وبشير الريس للمالية، وعلي برهوم للمياه والبلديات، وهناء ترزي للشؤون الاجتماعية والمرأة، بالإضافة إلى محمد توفيق حلس للأمن، ومحمد نسمان للشرطة. وقد أقرت حركة حماس الأسماء الخمسة عشر، وأكدت استعدادها لتسليم إدارة القطاع للجنة.
ويبرز «مجلس السلام» كأحد الكيانات الإدارية الانتقالية الرئيسية ضمن مخرجات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار. يتمتع المجلس بشخصية قانونية دولية، ويشرف بشكل عام على إدارة غزة خلال الفترة الانتقالية، مستندًا إلى قرار مجلس الأمن. ويركز المجلس على وضع الإطار العام لتنمية القطاع، وتنسيق التمويل الدولي بما يتوافق مع قواعد القانون الدولي، ويستمر في عمله حتى نهاية عام 2027 أو لحين استكمال السلطة الفلسطينية برنامجها الإصلاحي.
ويتمتع مجلس السلام بصلاحيات واسعة في رسم السياسة العامة للقطاع، ويقود جهود متابعة إعادة الإعمار، كما يشرف مباشرة على أداء لجنة التكنوقراط المسؤولة عن الإدارة المدنية والخدمات اليومية. يرأس المجلس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ويضم في عضويته شخصيات بارزة مثل مارك روبيو وزير الخارجية الأمريكي، وستيف ويتكوف المبعوث الخاص للشرق الأوسط، وجاريد كوشنر، وتوني بلير، ومارك روان، وآجان بانجا، وروبرت جابرييل، بالإضافة إلى ريم الهاشمي وعلي الذوادي وياكير جاباي وسيجريد كاغ.
وقد عين المجلس البلغاري نيكولاي ميلادينوف ممثلًا ساميًا لغزة وممثلًا له على الأرض، واختار أرييه لايتسون وجوش جرينباوم مستشارين مباشرين. كما شكل مجلسًا تنفيذيًا لدعم المجلس السامي، ليكون حلقة الوصل بين مجلس السلام واللجنة الوطنية للتكنوقراط. وشارك في هذا المجلس التنفيذي اللواء حسن رشاد، مدير المخابرات العامة المصرية، وهاكان فيدان، وزير الخارجية التركي.
ويضم الإطار الأمريكي كيانًا ثالثًا هو «قوة الاستقرار الدولية»، التي أسندت قيادتها إلى الميجر جنرال كاسبر جيفرز. تتولى هذه القوة مهمة إنشاء تشكيل دولي مؤقت ينتشر في غزة تحت قيادة موحدة، بهدف ترسيخ الاستقرار الأمني. وتعتمد القوة على الشرطة الفلسطينية التي تلقت تدريبات حديثة في القاهرة، لربط المسار الأمني بالإدارة المدنية الجديدة.
وعلى الرغم من التفاؤل الذي يحيط ببدء المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، تظل المخاطر قائمة، خاصة بسبب تغلغل حركة حماس في كافة مفاصل القطاع، من قطاعات الصحة والتعليم وصولًا إلى الأمن. ويثير هذا الوضع مخاوف بشأن قدرة المسؤولين الجدد على إدارة القطاع بعد الإخلاء المحتمل، حيث قد يؤدي أي خلل إداري أو فراغ أمني إلى تفاقم الأوضاع المعيشية لملايين الفلسطينيين في غزة.
ويعد ملف السلاح من أكثر القضايا حساسية وتعقيدًا؛ فإسرائيل تؤكد امتلاك حماس لنحو 60 ألف قطعة سلاح متنوعة، وهو ما تنفيه الحركة. ويزيد غياب إحصاء رسمي دقيق وتحديد الجهة المخولة بتسلم السلاح من تعقيد هذا الملف، مما يتيح لإسرائيل فرض عقبات أمام تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار. ويهدد هذا الوضع استقرار القطاع، ويشكل تحديًا كبيرًا أمام إدارة المرحلة الانتقالية وجهود إعادة الإعمار.








