الفيدرالي الأمريكي يخفض الفائدة للمرة الثانية وسط مخاوف على سوق العمل
تحليل قرار الفيدرالي الأمريكي بخفض الفائدة: الأسباب الكامنة وراء دعم سوق العمل وتأثيره على الاقتصاد

في خطوة كانت متوقعة على نطاق واسع، قرر مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي خفض أسعار الفائدة للمرة الثانية على التوالي، موجهاً رسالة واضحة بأن أولويته الآن هي دعم سوق العمل التي بدأت تظهر عليها علامات الضعف. القرار يأتي مصحوبًا بإعلان مهم حول وقف تقليص الميزانية العمومية للبنك المركزي، مما يعزز التوجه نحو سياسة نقدية أكثر تساهلاً.
صوّتت اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة بأغلبية 10 أصوات مقابل صوتين لصالح خفض سعر الفائدة المرجعي بمقدار 25 نقطة أساس، ليستقر في نطاق يتراوح بين 3.75% و4%. ويعكس هذا الانقسام في التصويت حالة من النقاش الداخلي، حيث فضّل ستيفن ميران، عضو مجلس المحافظين، خفضاً أكثر جرأة بنصف نقطة مئوية، بينما رأى جيف شمد، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي، ضرورة الإبقاء على الفائدة دون تغيير.
يُعد هذا الخفض هو الثاني منذ تولي دونالد ترمب الرئاسة، ويأتي بعد خمسة اجتماعات متتالية تم فيها تثبيت الفائدة. التحرك الأخير لا يمثل مجرد استجابة للبيانات الحالية، بل هو إجراء استباقي يهدف إلى حماية الاقتصاد من تباطؤ أعمق، مستغلاً استقرار معدلات التضخم التي منحت صانعي السياسة النقدية مرونة أكبر للتركيز على هدف التوظيف الكامل.
مخاوف سوق العمل تدفع القرار
أشار بيان الاحتياطي الفيدرالي بوضوح إلى أن “المخاطر السلبية على التوظيف ارتفعت”، لافتاً إلى “تباطؤ وتيرة نمو الوظائف” هذا العام. كما أقر البيان بارتفاع طفيف في معدل البطالة، الذي ظل منخفضاً حتى أغسطس، في إشارة ضمنية إلى أن البيانات المتأخرة بسبب الإغلاق الحكومي قد تخفي تدهوراً أكبر في سوق العمل الأمريكية.
وبالتوازي مع خفض الفائدة، أعلنت اللجنة أنها ستنهي عملية تقليص حيازتها من الأوراق المالية، المعروفة باسم التشديد الكمي، بحلول الأول من ديسمبر. هذه الخطوة تعني وقف سحب السيولة من النظام المالي، حيث تخلّى الفيدرالي منذ عام 2022 عن أكثر من تريليوني دولار من سندات الخزانة والأوراق المالية، لتنخفض ميزانيته إلى أقل من 6.6 تريليون دولار.
بيانات اقتصادية ترسم المسار
جاء القرار بعد صدور بيانات التضخم الأساسي لشهر سبتمبر، والتي جاءت أقل من التوقعات، مما أتاح للفيدرالي التركيز على المخاطر المتزايدة في سوق العمل. فقد كشف مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي عن أبطأ وتيرة نمو له خلال ثلاثة أشهر، مما بدد المخاوف من ضغوط تضخمية قد تعرقل خطط خفض الفائدة.
وكان آخر تقرير للوظائف قبل الإغلاق الحكومي قد دق ناقوس الخطر، حيث أظهر إضافة 22 ألف وظيفة فقط في أغسطس، مع ارتفاع معدل البطالة لأعلى مستوى منذ 2021. وتزداد الصورة قتامة مع تعديل بيانات سابقة بخفض 911 ألف وظيفة، مما يؤكد أن سوق العمل لم تكن بالقوة التي كان يُعتقد سابقاً.
تصريحات باول تمهد الطريق
لم يكن القرار مفاجئاً للأسواق، التي كانت تسعّر بالفعل خفضاً بربع نقطة مئوية. وقد مهد رئيس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، الطريق لهذه الخطوة في تصريحاته الأخيرة التي أشار فيها إلى “علامات متزايدة على ضعف سوق العمل” وتراجع الطلب على العمالة. اعتراف باول بأنه “لم يعد بإمكانه القول إن سوق العمل قوية للغاية” كان بمثابة إشارة قوية على تحول في تقييم البنك المركزي.
عقب صدور القرار، حافظ مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” على استقراره، بينما ارتفعت عوائد سندات الخزانة والدولار بشكل طفيف. وتشير التوقعات الفصلية لمسؤولي الاحتياطي الفيدرالي إلى أن الباب لا يزال مفتوحاً أمام خفض إضافي واحد على الأقل قبل نهاية العام، في محاولة لضمان استمرار أطول فترة توسع اقتصادي في تاريخ الولايات المتحدة.









