اقتصاد

الفضة تتأرجح: تحليل عميق لارتفاع الأسعار وتحديات السوق

تدفقات استثمارية قياسية ونقص معروض يغذيان زخم المعدن الأبيض وسط ترقب لقرارات الفيدرالي

في تحول لافت يعكس ثقة متزايدة، سجلت الصناديق المتداولة المدعومة بالفضة أقوى تدفقات أسبوعية لها منذ يوليو الماضي، دافعةً المعدن الأبيض للارتفاع بأكثر من 2% في جلسة سابقة، ومؤكدةً على زخم استثماري قد يثير تساؤلات حول استدامته. هذا الاندفاع، الذي دفع قيمة الفضة لتلامس مستويات قياسية، يأتي في سياق اقتصادي معقد، حيث تتشابك توقعات خفض أسعار الفائدة مع ضغوط العرض والطلب العالمية، مما يرسم صورة متقلبة لمستقبل هذا المعدن الثمين.

ديناميكيات السوق والسياسة النقدية

بعد أن قفزت الفضة لتصبح على بُعد دولار واحد من مستوى قياسي، انخفضت قيمتها إلى نحو 58 دولاراً للأونصة يوم الإثنين، في إشارة واضحة إلى التقلبات الحادة التي تميز أسواق المعادن الثمينة. هذا التذبذب يعكس، في جوهره، صراعاً بين التفاؤل الحذر للمستثمرين والتخوف من المبالغة في التقييم؛ فزيادة إجمالي حيازات الصناديق المدعومة بالفضة بنحو 590 طناً الأسبوع الماضي لم تكن مجرد رقم، بل كانت رهاناً قوياً على استمرار موجة الصعود، حتى في ظل المخاوف المتزايدة من أن يكون السعر قد تجاوز قيمته الحقيقية. هل يعكس هذا الاندفاع ثقة حقيقية أم مجرد مطاردة للزخم؟

لقد تلقى الارتفاع الأخير لسعر الفضة، والذي بلغ ذروته عند 59.33 دولار يوم الجمعة، دعماً مباشراً من تزايد التوقعات بأن الاحتياطي الفيدرالي قد يتجه نحو خفض أسعار الفائدة. تاريخياً، تُعد هذه الخطوة بمثابة دفعة قوية للمعادن النفيسة التي لا تدر عائداً، حيث تقل تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بها مقارنة بالأصول ذات العائد. ومع ذلك، لا تزال السوق تستوعب تداعيات ضغوط بيع تاريخية شهدتها لندن، مما يضيف طبقة من التعقيد إلى المشهد. وفي هذا السياق، يرى جاستن لين، المحلل الاستثماري في “غلوبال إكس مانجمنت” بسيدني، أن “الارتفاع الحالي يبدو مفرطاً بالفعل، ويُظهر المستثمرون الأفراد بعض سلوكيات مطاردة الزخم”، وهو ما يضع علامة استفهام حول استدامة هذه المستويات السعرية.

تحديات العرض والطلب

على الرغم من التحذيرات، تضاعفت قيمة الفضة أكثر من مرتين هذا العام، وهو ما يمثل أداءً استثنائياً يغذيه نقص حاد في المعروض بدأ يكتسب زخماً منذ أكتوبر الماضي. هذه الديناميكية تثير سؤالاً جوهرياً: هل نحن بصدد تصحيح وشيك أم أن السوق لم يستوعب بعد كامل أبعاد النقص؟ فمعدلات الإقراض، التي تعكس التكلفة السنوية لاقتراض المعدن في لندن، لا تزال مرتفعة عند نحو 6%، وهذا يحدث حتى بعد تدفق كمية قياسية من المعدن إلى أكبر مركز لتداول الفضة في العالم، مما يشير إلى استمرار الضغط على المعروض المتاح. هذا الضغط لم يقتصر على لندن؛ فالمخزونات في شنغهاي تقترب من أدنى مستوياتها في عقد، مما يعكس تحدياً هيكلياً في سلسلة التوريد العالمية. لفهم أعمق لهذه التحديات، يمكن الاطلاع على [تحليلات شاملة لسوق الفضة العالمي](https://www.silverinstitute.org/silver-market-overview/) التي تسلط الضوء على ديناميكيات العرض والطلب.

في ظل هذه الظروف، شهدت خيارات عقود الفضة في بورصة “كوميكس” موجة شراء غير مسبوقة، حيث يسعى المستثمرون للتحوّط من التقلبات الواسعة، وخاصة ضد المزيد من الارتفاعات المحتملة. هذا السلوك الوقائي يعكس حالة عدم اليقين التي تسيطر على السوق. وفي موازاة ذلك، يتدفق المتداولون الأفراد بقوة إلى السوق، حيث وصل متوسط حجم التداول على العقود المصغّرة خلال خمسة أيام إلى مستوى لم يتجاوزه سوى منتصف أكتوبر، وفقاً لبيانات “سي إم إي غروب”. هذا النشاط المكثف من المستثمرين الأفراد، غالباً ما يكون مدفوعاً بالزخم، ويمكن أن يساهم في تضخيم الفقاعات السعرية أو تسريع التصحيحات.

المشهد الأوسع للمعادن الثمينة

في سياق متصل، لم يغب الذهب عن دائرة الاهتمام؛ فقد أضاف البنك المركزي الصيني إلى احتياطاته من الذهب للشهر الثالث عشر على التوالي، وفقاً لبيانات صدرت الأحد، مما رفع الإجمالي إلى نحو 74.12 مليون أونصة. هذا التراكم المستمر من قبل أحد أكبر الاقتصادات العالمية يؤكد على الدور المتزايد للذهب كأصل احتياطي استراتيجي في ظل التوترات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية، ويقدم دعماً هيكلياً لسعره. ورغم هذا الدعم، شهد الذهب ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.2% ليصل إلى 4205.21 دولار للأونصة، بعد أن أنهى الأسبوع الماضي منخفضاً بنحو 1%، مما يشير إلى أن حركته تتأثر بعوامل مختلفة عن الفضة، بما في ذلك قوة الدولار الأمريكي الذي تراجع مؤشره الفوري بنسبة 0.1%.

ختاماً، بينما انخفضت الفضة بنسبة 0.2% لتستقر عند 58.2268 دولار للأونصة حتى الساعة 9:04 صباحاً بتوقيت سنغافورة، شهد البلاتين ارتفاعاً، في حين تراجع البلاديوم. هذه التباينات في أداء المعادن الثمينة المختلفة تسلط الضوء على الطبيعة المتجزئة لهذه الأسواق، حيث تتفاعل كل سلعة مع مجموعة فريدة من المحركات الاقتصادية والجيوسياسية، مما يتطلب تحليلاً دقيقاً ومستمراً لفهم مساراتها المستقبلية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *