فن

العلا: وجهة سينمائية سعودية بروح عالمية

العلا مركز للإبداع السينمائي السعودي والعالمي

في خطوة تعكس حراكاً ثقافياً متنامياً، أعلنت مؤسسة “فيلم العُلا” بدء تصوير حلقة جديدة من المسلسل السعودي الكوميدي “يلا، يلا بينا!”، في مشهد يؤكد على طموح المملكة في ترسيخ مكانتها كمركز إقليمي لصناعة الأفلام. إنها ليست مجرد حلقة جديدة، بل هي نافذة على رؤية فنية جريئة تجمع بين السخرية والعمق، وتتجاوز المألوف.

صناعة السينما

العلا وجهة

تأتي هذه الخطوة ضمن استراتيجية أوسع لمؤسسة “فيلم العُلا”، الذراع السينمائي للهيئة الملكية للمحافظة، والتي تسعى جاهدة لدعم الإنتاجات المحلية والدولية. تصوير حلقة “#مأجز_لا_تكلمني” – وهي تسمية جذابة تعكس روح العصر – يمثل جزءاً من هذا التوجه، حيث تسعى العلا لإبراز جمالها الطبيعي وتاريخها العريق كخلفية سينمائية فريدة، وهو ما يتماشى مع رؤية المملكة الطموحة لتنويع مصادر الدخل وتعزيز مكانتها الثقافية عالمياً.

يُرجّح مراقبون أن اختيار العلا ليس محض صدفة، بل هو قرار استراتيجي يهدف إلى تحويل المنطقة إلى قبلة للمخرجين والمنتجين، مستفيدة من تضاريسها المتنوعة ومواقعها الأثرية. هذا الدعم لا يقتصر على توفير المواقع فحسب، بل يمتد ليشمل تمكين الأصوات الإبداعية السعودية، وتشجيع تنوع المحتوى السينمائي، بما في ذلك الكوميديا التي غالباً ما تحمل رسائل اجتماعية عميقة.

روح الكوميديا

سخرية عميقة

يتميز مسلسل “يلا، يلا بينا!” بأسلوبه الفني المبتكر، فهو يمزج بين الكوميديا السوداء، الدمى، الرسوم المتحركة، والمشاهد الحية، ليقدم تجربة بصرية تتجاوز التصنيفات التقليدية. هذه التركيبة الفريدة تتيح للمسلسل استكشاف قضايا مجتمعية معاصرة وتحديات الحياة في القرن الحادي والعشرين بأسلوب رمزي وساخر، حيث تدور أحداثه حول مجموعة من الحيوانات غريبة الأطوار تحاول تدريب روبوت على التفاعل كإنسان، في إشارة ذكية لتحديات التكيف مع الحداثة.

في حلقة “#مأجز_لا_تكلمني”، نرى شخصية “صالح الصرصور” في مغامرة غير متوقعة تأخذه من العلا إلى باريس. هذه الرحلة لا تمثل مجرد عطلة، بل هي مواجهة ثقافية طريفة، حيث يكتشف صالح عالماً مغايراً تماماً لما اعتاده، مما يدفعه لإعادة التفكير في العودة. مغامرة تبدو للوهلة الأولى طريفة، لكنها تحمل في طياتها أسئلة وجودية حول الهوية والانتماء، وكيف يمكن لتجربة واحدة أن تقلب الموازين.

إلى جانب هذه القصة، يقدم المسلسل خطاً درامياً آخر لعائلة تنطلق في مغامرة استكشافية للعلا، لتواجه تحديات البقاء في طبيعتها الخلابة بعد أن يضل أحد أطفالها طريقه. هذا التنوع في السرد يعكس قدرة العمل على استعراض جوانب مختلفة من الحياة السعودية، بين الكوميديا الساخرة والمغامرة الإنسانية، مع إبراز جمال العلا وتاريخها العريق.

دعم المواهب

رؤى مستقبلية

المخرج محمد حماد، الذي شارك في كتابة الحلقة، عبر عن سعادته بشراكة “فيلم العُلا”، مؤكداً أن الحلقة “تحتفي بسحر مناظر العلا الطبيعية” وتستخدم الكوميديا لاستعراض “ما يمكن أن يحدث حين لا يكون المرء مستعداً لعطلته كما ينبغي”. هذا التصريح يوضح كيف يمكن للفن أن يمزج بين الترفيه والتأمل، مستفيداً من جمال المكان لإيصال رسالة أعمق، وهو ما نراه بوضوح في الأعمال الفنية الناجحة.

من جانبه، أكد زيد شاكر، المدير التنفيذي المكلف لـ”فيلم العُلا”، على الإيمان “بتنوع إمكانات العلا ومواقعها الملائمة للإنتاج السينمائي”، مشيراً إلى أنها تألقت كخلفية لأفلام الأكشن والدراما، واليوم تلهم الكوميديا. هذا التوجه يعكس التزاماً راسخاً بدعم السرد السعودي بمختلف أشكاله، والمساهمة الفاعلة في تطوير صناعة السينما بالمملكة، ليس فقط من خلال توفير البنية التحتية، بل أيضاً بتنمية القدرات البشرية المحلية، حيث يضم طاقم العمل نسبة كبيرة من السعوديين.

يُعد هذا التركيز على الكفاءات المحلية، وتدريب أبناء وبنات العلا على قطاع صناعة الأفلام، دليلاً واضحاً على رؤية استثمارية طويلة الأمد لا تقتصر على الجذب السياحي، بل تمتد لتشمل بناء صناعة ثقافية مستدامة. إنها فرصة حقيقية لجيل جديد من المبدعين السعوديين ليجدوا منصة لعرض قصصهم ورؤاهم للعالم، وهو ما يضيف بعداً إنسانياً عميقاً للمشروع ككل.

في الختام، يمثل تصوير مسلسل “يلا، يلا بينا!” في العلا أكثر من مجرد حدث فني؛ إنه مؤشر على تحول ثقافي واقتصادي تشهده المملكة. فبينما تتجه الأنظار نحو العلا كوجهة سياحية عالمية، تتأكد مكانتها كحاضنة للإبداع السينمائي، قادرة على إنتاج محتوى عربي أصيل بلمسة عالمية، يعكس روح العصر ويفتح آفاقاً جديدة للمواهب السعودية على الساحة الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *