العدالة العربية على طاولة القاهرة: ملامح جبهة قانونية موحدة لمواجهة تحديات العصر
وزراء العدل العرب في القاهرة.. هل تتشكل جبهة قانونية جديدة ضد الإرهاب والجرائم الإلكترونية؟

في قلب القاهرة، وبزخم هادئ يعكس ثقل المسؤولية، اجتمع وزراء العدل العرب بمقر جامعة الدول العربية. لم يكن اللقاء بروتوكوليًا بقدر ما كان جلسة عمل مصغرة لرسم ملامح منظومة عدالة عربية قادرة على مواجهة تحديات لم تكن في الحسبان قبل سنوات. فالملفات المطروحة على الطاولة كانت أثقل من أي وقت مضى.
ملفات ملحة
ناقش الوزراء حزمة من القضايا الحيوية التي باتت تؤرق الأمن القومي العربي. على رأسها، تحديث الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب، وهو ملف يتجدد مع كل متغير أمني في المنطقة. وإلى جانبه، برز مشروع اتفاقية مكافحة جرائم تقنية المعلومات، الأمر الذي يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الفضاء الرقمي لم يعد ساحة افتراضية، بل مسرحًا لتهديدات حقيقية تتطلب ردعًا قانونيًا مشتركًا.
قوانين استرشادية
لم يقتصر النقاش على التهديدات الأمنية فقط، بل امتد ليشمل قضايا اجتماعية وإنسانية. حيث استعرض الاجتماع مشاريع قوانين استرشادية لمكافحة المخدرات وحماية النازحين، في محاولة لوضع أطر قانونية موحدة لمعالجة أزمات إنسانية تضرب المنطقة. يبدو أن هناك قناعة بأن الأمن الاجتماعي جزء لا يتجزأ من الاستقرار الشامل.
رؤية مصرية
كلمة وزير العدل المصري، المستشار عدنان فنجري، حملت أبعادًا تتجاوز المشاركة التقليدية. فإلى جانب نقل تحيات الرئيس عبد الفتاح السيسي، قدم الوزير رؤية مصر لتحديث العدالة. لم يكن حديثه عن “التقاضي الإلكتروني” و”المحاكم الذكية” مجرد استعراض للتجربة المصرية، بل دعوة صريحة لتبني التحول الرقمي كأداة لتحقيق العدالة الناجزة، وهو ما يعتبره مراقبون حجر الزاوية في أي إصلاح قضائي حديث.
ما وراء الاجتماع؟
بحسب محللين، فإن هذا التحرك العربي المكثف يهدف إلى بناء “جدار حماية قانوني” في مواجهة التحديات العابرة للحدود. فجرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب والجرائم السيبرانية لا تعترف بالحدود الوطنية، وبالتالي فإن مواجهتها تتطلب تنسيقًا تشريعيًا وقضائيًا غير مسبوق. إنه سباق مع الزمن لكي لا تسبق الجريمة القانون بخطوات كثيرة.
يمثل الاجتماع خطوة مهمة على طريق العمل العربي المشترك، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه المشاريع والاتفاقيات إلى آليات تنفيذية فعالة على أرض الواقع. فالإرادة السياسية التي جمعت الوزراء اليوم هي ذاتها المطلوبة غدًا لضمان تطبيق ما تم الاتفاق عليه، وهو اختبار حقيقي لمدى جدية هذا التعاون.
في الختام، يمكن القول إن اجتماع وزراء العدل العرب لم يكن مجرد لقاء دوري، بل محاولة جادة لترميم وتطوير البنية التشريعية العربية. خطوة ضرورية لضمان أن تظل العدالة، بقيمها الراسخة، قادرة على حماية المجتمعات العربية في عالم يموج بالمتغيرات والتحديات المعقدة.









