الصداقة في سينما داوود عبد السيد: مرآة الوجود والتحولات البشرية
رحلة الصداقة الدموية والفلسفية في أفلام المخرج الكبير

بهذه الكلمات القوية، تُعرّف “صفية” الصداقة العميقة التي تجمع زوجها “مرسي” برفيقه “صلاح” في فيلم “الصعاليك”. يأتي هذا التعريف اللافت بعد أن جمعتها علاقة عابرة بصلاح، الذي عاد إليها مضروبًا، بينما كان مرسي يقبع في السجن.
يُعد فيلم “الصعاليك” عام 1985 التجربة الإخراجية الأولى للمخرج الكبير داوود عبد السيد (مواليد 23 نوفمبر 1946). وكما هو الحال في الأعمال الأولى للمخرجين أصحاب الرؤى الفنية المتفردة، تتجلى علاقة الصداقة بين “مرسي” و”صلاح” كعنصر محوري، تعكس قضايا وأزمات رحلتهما نحو الصعود المادي في فترة الانفتاح الاقتصادي بمصر. هذه العلاقة لم تكن مجرد تفصيلة عابرة، بل تحولت مع توالي أعمال عبد السيد إلى نموذج متكرر، يظهر بأشكال وتجليات مختلفة، ليحتل صدارة المشهد الدرامي في أفلامه، حتى وإن بدت للبعض غير مرتبطة مباشرة بالحبكة الرئيسية.
لكن، ما الذي يجعلنا نتوقف عند أشكال الصداقة في سينما داوود عبد السيد، التي غالبًا ما تُصنف كمزيج فريد من الشعر والفلسفة والواقعية السحرية، مع نظرة اجتماعية حزينة لعوالم تتلاشى ومدن تتهدم وبيوت تندثر؟
تكمن أهمية هذه العلاقات في كونها لم تكن مجرد صدفة عابرة، فلو لم تكن محورية لرؤيته الفنية، لما بنى حبكة أول أفلامه على صداقة متينة بين رجلين، تنتهي بمقتل أحدهما على يد الآخر بسبب تضارب المصالح، بعد أن تشاركا كل شيء، حتى المرأة. هذا التكرار لأنماط الصداقة بأشكال متنوعة في كل فيلم، يجعل تحليلها ضرورة لفهم عالم هذا المخرج المبدع، الذي قدم تسع تجارب سينمائية فقط.
منذ “الصعاليك” وحتى “قدرات غير عادية”، تتجلى الصداقة في أعمال عبد السيد كعلاقة وطيدة، تحمل أبعادًا “دموية” بمعناها الشعري والإيجابي. تظهر هذه الصداقات أحيانًا بين الرجال فقط، كما في “البحث عن سيد مرزوق”، “الكيت كات”، “أرض الخوف”، “مواطن ومخبر وحرامي”، و”رسائل البحر”. وفي أحيان أخرى، تأخذ شكل مزيج جندري، مثل العلاقة بين الأم المهاجرة “نرجس” والساحر العجوز “رؤوف” في “أرض الأحلام” ليلة رأس السنة، وهو الفيلم الوحيد الذي لم يكتبه عبد السيد، لكنه ظل يحمل بصمات عالمه الفني المميز.
صاحب المسألة والمشكلة
تُبرز “صفية” في حديثها عن مكانة “صلاح” لدى “مرسي” عمق هذه العلاقة، قائلة:
“كنت غيرانه منك
قلت له ايه الواد صلاح ده اللي طول النهار والليل معاك
قالي إوعك تمسيه حتى بينك وبين نفسك
صلاح ده سيدك
ضفره برقبتك”
يبدو حضور “مرسي” المعنوي في حوارات “صفية” أقوى من أي حضور مادي. وعندما يخرج “مرسي” من السجن، يظهر أكثر نضجًا وقوة، وأعمق فهمًا لأحوال الناس، متحولًا من مجرد صديق إلى مرشد، متفوقًا في بصيرته على “صلاح” الذي لم يخض تجربة الحياة القاسية التي مر بها “مرسي” في السجن، رغم رغبة صلاح في التضحية بنفسه من أجل صديقه المتزوج ولديه طفل.
خلال رحلة الصعود، يكتسب “مرسي” ثقلاً نفسيًا وفكريًا، ويفرض سيطرة كاملة على “صلاح”، سيطرة الصديق المحب الذي يمتلك الإجابات. تنهال الأسئلة من “صلاح” على “مرسي” حول المال والحب والمرأة والصعود الطبقي، ويجيب “مرسي” بلا تردد، لكن بسطوة واضحة. هنا، لا يمثل الصديقان وجهين لعملة واحدة، بل تتزايد قوة “مرسي” المعرفية مع كل إجابة، بينما تتضاءل مكانة “صلاح” كلما زادت أسئلته.
في فيلم “البحث عن سيد مرزوق” عام 1990، تتكرر ديناميكية الصداقة ذاتها، لكن هذه المرة تنشأ من لقاء عابر بين المقاول المهندس “سيد مرزوق” والمواطن “يوسف كمال”. “يوسف” يسأل و”سيد” يجيب، مما يفتح عيني “يوسف” على عوالم غريبة ومخفية حُرم منها طويلاً. فبعد أن حذره أحد رموز السلطة في شبابه من التواجد في الشوارع أثناء المظاهرات، يأمره بالعودة إلى بيته، لكن “سيد مرزوق” يمنعه من الانزواء. وفي خضم هذه المرحلة من الأسئلة والاكتشافات، يُعلن “يوسف” لضابط المباحث، ممثل السلطة الجديد، أنه “يحب سيد مرزوق”.
ينتقل هذا النمط من “يوسف” إلى “نرجس” في “أرض الأحلام” عام 1993، التي تمثل معادلاً أنثويًا له. تتوطد علاقتها بالساحر السكير “رؤوف” لمجرد اعتقادها أنه يعرف مكان جواز سفرها المفقود، والذي كانت تسعى من خلاله لاستكمال عزلتها. “يوسف” و”نرجس” كلاهما كانا بلا أحلام أو طموحات، قضيا جزءًا كبيرًا من حياتهما في عزلة منزلية. لكن في ليلة واحدة، وعبر صداقة تنشأ من موقف عابر أو صدفة قدرية، تتغير نظرتهما للعالم وللحياة، والأهم، لنفسيهما.
على غرار “مرسي” و”سيد مرزوق” و”رؤوف”، الذين امتلكوا الحكمة والإجابات التي غالبًا ما تثير المزيد من التساؤلات، تتجلى بصيرة الصديق وسلطته القيادية على رفيقه المخلص. “صلاح” و”يوسف” و”نرجس” يتميزون في هذه المرحلة بالإخلاص الشديد والتصديق المطلق لأصدقائهم.
تنعكس هذه البصيرة القيادية بوضوح في صداقة الشيخ “حسني” الكفيف، بطل فيلم “الكيت كات” عام 1991، بالشيخ “عبيد” الضرير، الذي يلتقيه صدفة عند شارع البحر. ومن المفارقات الإبداعية التي تميز سينما داوود عبد السيد، اختياره للممثل علي حسنين ليؤدي دور “سيد مرزوق” البصير النافذ، ثم دور الشيخ “عبيد” الكفيف التابع، في إشارة تبدو كتحقيق لعدالة شعرية بعد هروبه في نهاية “البحث عن سيد مرزوق”.
في “الكيت كات”، تتعدد علاقات الصداقة التي تجمع الشيخ “حسني” بشخصيات الفيلم المختلفة، لكن أبرزها علاقته بالشيخ “عبيد” الكفيف. يصطحبه “حسني” في تجواله بالشوارع، يمازح السيدات، يشرح له قصص الأفلام في السينما، ويتنزهان معًا في قارب بالنيل. هذه العلاقة لا تبدو مرتبطة بوضوح بالحبكة الرئيسية للفيلم، التي تدور حول محاولات الشيخ “حسني” منع هدم بيت أبيه الذي باعه لتاجر الدواجن مقابل الحشيش، بينما يطارده ابنه “يوسف” للحصول على تمويل هجرته للخارج.
تعكس صداقة “حسني” و”عبيد” جانبًا جوهريًا في شخصية “حسني”. فـ”عبيد” هو الوحيد الذي يجهل أن “حسني” كفيف، مما يعزز من قدرات بصيرته ويمنحه حضورًا كاملاً يشعر أنه يستحقه. “عبيد” هو من يضيف عمقًا وتأثيرًا لشخصية “حسني”، ويكشف عن ضوئها الداخلي الساطع.
لا يمكن استشعار عمق اللحظة التي تتوطد فيها صداقة الابن “يوسف” مع أبيه “حسني” إلا بعد استيعاب علاقة “حسني” بـ”عبيد”. فـ”يوسف” يعامل أباه أخيرًا كشخص مبصر، ويحقق له حلمه القديم بركوب دراجة نارية، حتى يسقطا معًا في الماء. هنا يصرخ “يوسف” ضاحكًا: “يابا أنت راجل أعمى!”، مؤكدًا على الواقع الذي كان يأسره ويمنعه من مصادقة أبيه ويدفعه للرغبة في الفرار منه.
لكن “حسني” يجيب بالحقيقة الأعمق في علاقتهما: “ده أنا بشوف أحسن منك في النور وفي الضلمة كمان”. ففي سينما داوود عبد السيد، يتجلى دائمًا فرق لافت بين الواقع والحقيقة.
بعد ذلك، يسهل تتبع مرحلة السؤال في علاقات الصداقة بأفلام عبد السيد الأخرى. مثال على ذلك المشهد الشهير بين “يحيى أبو دبورة” وموظف البريد “موسى” في الفيلم الفلسفي “أرض الخوف”. “أبو دبورة”، الذي يحمل الاسم الحركي “آدم”، يعيش بلا أصدقاء خلال مهمته في عالم تجارة المخدرات، ولا يجد من يسأله سوى “موسى”، الاسم الحركي للشخص المفترض أن يتلقى تقارير “آدم” من “أرض الخوف”.
“آدم”، الإنسان الأول، يسأل “موسى”، كليم الله، عن مهمته: هل أدت غرضها؟ هل نجح؟ هل هو ذاته أم تغير؟ أين ينتهي الواقع وتبدأ الحقيقة؟ وكما أثارت الصداقات مع “مرسي” و”سيد مرزوق” و”رؤوف” والشيخ “حسني” المزيد من الأسئلة، ولم تجلب الإجابات الراحة المرجوة، لا يستطيع “موسى” طمأنة “آدم”، حتى مع قداسة اسمه، لأن صداقتهما تبقى منقوصة بسبب غموض الظروف وعظمة المهمة.
من السيطرة إلى التمرد
بعد مرحلة السؤال، تبدأ مرحلة التحدي في علاقة الصداقة، والتي تتطور أحيانًا إلى تمرد أو خصومة. في “الصعاليك”، عندما تدخل “منى” حياة “صلاح”، تقول “صفية” لـ”مرسي”: “أنت لا تحب هذه الفتاة لأنك لا تستطيع أن تسيطر عليها”، فيصمت “مرسي” موافقًا على هذه المصارحة بعينيه.
يتكرر اسم “منى” في فيلم داوود التالي “البحث عن سيد مرزوق”، حيث يراها “يوسف” كطيف عابر في محطات مختلفة، ويقع في حبها المستحيل. يسأل عنها “سيد” الذي يحاول السيطرة على مشاعر “يوسف” تجاهها عبر رواية حكايات مختلفة ومختلقة عنها، فيسميها تارة “الأميرة رضا” وتارة أخرى “نجوى”. ربما يعرف “سيد” عنها الكثير، لكنه لا يرغب في أن يشعر “يوسف” بوجود أي شخص أو عنصر خارج صداقتهما يمكن أن يكسر وهم السيطرة الذي يمارسه عليه.
بالطريقة نفسها، يسيطر “رؤوف” على “نرجس” بقصة جواز السفر الضائع ليضمن بقاءها معه طوال ليلة رأس السنة. ويبقى الشيخ “عبيد” مع الشيخ “حسني” لأنه يرى العالم من خلال عينيه اللتين لا تتوقفان عن “البحلقة”. كذلك، يبقى المواطن “سليم” مع صديقه المخبر “فتحي عبد الغفور” في “مواطن ومخبر وحرامي” عام 2001، ليضمن استعادة روايته التي سرقها الحرامي “شريف المرجوشي”. ويبقى “يحيى” مع “قابيل” في “رسائل البحر” عام 2010، في محاولة للعثور على تفسير لرسالة البحر التي وجدها في زجاجة شفافة أثناء الصيد.
تُعد “منى”، وجواز السفر، والحكايات، والرواية، ورسالة البحر، كلها أدوات يستخدمها داوود عبد السيد لصقل مرآة الصداقة، التي تعكس جانبًا من فلسفته في كل فيلم.
يمكننا هنا ملاحظة أسلوب داوود عبد السيد في توطيد الصداقة، ثم الانتقال بها إلى مراحل لاحقة في أعماله. في “الصعاليك”، تجمع “صفية” في رحمها بين “مرسي” و”صلاح”، معبرة عن ذلك بقولها:
“اللي حصل ده كان مقدر كان غصب عني وعنك!
أني كنت معاك ومحستش إني معاك!
تعرف إني كنت حاسه بإيه! كنت حاسه إني مع مرسي!”
هذا النمط يعيد داوود إنتاجه بعد سنوات في “مواطن ومخبر وحرامي”، عندما تجمع “حياة” بين المواطن “سليم” والحرامي “شريف”، حيث تنام مع كليهما وتدعي دائمًا أنها حامل من أحدهما كلما ضربها المخبر. وهو ما يجمع أيضًا بين الطبيب “يحيى المنقبادي” الباحث عن القدرات غير العادية، وصديقه غير المباشر رجل السلطة “عمر البنهاوي”، حيث يتشاركان نفس المرأة. يتكرر هنا اسم “حياة” بشكل مقصود، كما يتكرر اسم “يحيى المنقبادي” القادم من “أرض الخوف”، لكنه هنا طبيب لا ضابط. وعلى حد سؤال شيخ الطريقة له في “قدرات غير عادية”:
– هل أنجزت مهمتك يا دكتور؟
– مهمتي ما بتنتهيش أبدًا يا مولانا!
– كلنا هذا الرجل.. عبيد تنتهي مهمتنا عندما نلتحق بالسيد!
حتى الشيخ “حسني” نفسه، عندما يبدأ في ترسيخ بصيرته في مخيلة الشيخ “عبيد”، يصف له امرأة فاتنة القوام، بينما يجلسان على المقهى بعد لقائهما الأول.
هذا التداخل العميق الذي يستغل حضور المرأة في مرحلة تأسيس الصداقة وتوالي الأسئلة، يتبعه غالبًا تفجر التحدي والتمرد، الذي ينطلق أحيانًا من المرأة ذاتها. في “الصعاليك”، يرفض “مرسي” “منى” ويشجع “صلاح” على التخلص من تأثيرها على حياتهما، قبل أن يكتمل تمرد “صلاح” الكامل ويقتله “مرسي” في النهاية.
كذلك، يتمرد “يوسف” على “سيد مرزوق” بعد أن ورطه في حادث مقتل “شابلن” الأصلي بالسيارة، بينما كان كل ما يرغب فيه “يوسف” هو معرفة المزيد عن “منى”، أو لقاؤها مرة أخرى في متاهات المدينة الصاخبة. حتى “نرجس” في “أرض الأحلام”، تتمرد على “رؤوف” عندما تكتشف أن صداقتهما ليست سوى نوع من العبث الغريب الذي يمارسه عليها، وتقرر قتله، تمامًا كما أعلن “يوسف” لنفسه بعد اكتشاف خيانة “سيد مرزوق” له وتوريطه في حادث السير: “هقتلك يا سيد يا مرزوق”.
وبينما تضع “نرجس” السكين على رقبة “رؤوف” في السيارة قبل أن يصاب بأزمة قلبية، يطلق “يوسف” الرصاص على “سيد مرزوق” من مسدس “سيد” الفارغ دون أن يصيبه. ويفقأ المواطن عين الحرامي بعد فشل نصائحه في توطيد الصداقة بينهم برعاية المخبر، الصديق الثالث. ويصفع “أبو دبورة” “موسى”، صديقه الوحيد في “أرض الخوف”، لعجزه عن أداء مهمته. وأخيرًا، يضحك الشيخ “عبيد” باكيًا بعد أن يدرك أن الشيخ “حسني” لم يكن سوى زميل له في عالم المكفوفين، وذلك عندما كادا يغرقان في النيل، بعد أن أرسل تاجر الدواجن من يهدد “حسني” لإخلاء البيت.
عالم فريد ومتداخل
رغم تشابه سياقات الصداقة بين شخصيات أفلام داوود عبد السيد، إلا أن مصائر هذه العلاقات تتغير بتغير القضية أو الأزمة التي يطرحها في كل تجربة. في “الصعاليك”، يجلس “مرسي” على كورنيش البحر، يرثي صديقه الذي قتله بيده، مستعيدًا ذكريات صعلكتهما الخالدة. هذا المشهد يتكرر في نهاية الفيلم، كأن “مرسي” قرر الاحتفاظ بـ”صلاح” بداخله كحقيقة، رغم غيابه القسري عن واقعه.
وفي “الكيت كات”، تنتهي صداقة “حسني” والشيخ “عبيد” عند القارب النهري، لكن صداقة أخرى تبدأ مع “يوسف” عند كورنيش النيل، عندما يدرك “يوسف” الفارق بين الواقع والحقيقة. أما في “البحث عن سيد مرزوق”، يطلق “يوسف” النار من مسدس فارغ على صديق ليلة عيد ميلاده، ليس بهدف قتله، بل لقتل خوفه من الحياة، ورغبة منه في الوجود بالعالم كما يشاء هو، لا كما تملي عليه السلطة أو الآخرون.
وفي “أرض الأحلام”، تتخذ “نرجس” قرارًا بالبقاء مع صديقها الجديد “رؤوف”، رفيق أطول ليلة في عمرها، بينما يجلسان على الرصيف المبلل بأمطار ليلة رأس السنة الغرائبية التي عاشتها معه. وعلى نفس الكورنيش، يجلس “قابيل” والدكتور “يحيى” في “رسائل البحر”، مبللين بآثار المطر ذاتها، ليبحثا عن وسيلة تحفظ لـ”قابيل” ذاكرته بعد عملية إزالة الورم، ليعود ويتعرف على “يحيى” مرة أخرى، ولا يمد يده ليقتل أحدًا من جديد.
في “أرض الخوف”، يموت “موسى” متخليًا عن “آدم” (أبو دبورة)، تاركًا له ثقل الأسئلة والحنين الدائم لـ”أرض الخوف”. وفي “مواطن ومخبر وحرامي”، تتطور الصداقة بين الثلاثة لتتحول إلى نسب ودم وصلة أرحام وأموال وأجساد في مزيج عبثي، يطرح سؤال المعادلة الغريبة حول العلاقة بين الطبقات والسلطة، ومحاولاتهما تحقيق توازن مستحيل، معبرًا عنها بسؤال: “فيها إيه لو نبقى واحد ونغير الأسامي”.
إنه عالم فريد، متداخل ومركب، يصعب تفكيكه من خلال سياق واحد بسيط. ضمن هذه الشاشة السحرية الكبيرة التي نسجتها علاقات الصداقة المتعددة في سينما داوود عبد السيد، ندرك اهتمامه بأن تنمو أفلامه ككيان واحد متكامل. تتشابه فيها الأماكن وأنماط العلاقات، بل وتتكرر الأسماء بقصد، كأنه يعيد إنتاج حياة الشخصيات ذاتها في عوالم موازية، ويعيد اختبار أسئلة الحب والرغبة والحكمة عبر مرايا عملاقة تتطلب أكثر من مجرد نظرة عابرة، بل استبطانًا وتأنيًا في التعامل مع هذا المذهب الشعري الفلسفي الذي رسمه لنفسه.
وإذا أردنا استعارة جملة من مسيرته السينمائية كمدخل لعالمه الواسع، نجد تلك النصيحة التي يقدمها كصديق عند إعادة مشاهدة أفلامه، حيث يقول شيخ الطريقة في “قدرات غير عادية” لـ”يحيى”، الحائر والمتشكك والمنغمس في الأسئلة: “أنت جئت لتعرف.. لا لتستريح”.




