اقتصاد

السعودية وأستراليا.. شراكة اقتصادية جديدة بوقود التعدين والتمويل

من التعدين إلى الدبلوماسية.. الرياض وكانبرا ترسمان ملامح تحالف اقتصادي جديد يتجاوز النفط.

في خطوة تعكس تحولاً استراتيجياً في علاقاتها الدولية، تكثف السعودية جهودها لبناء شراكة اقتصادية قوية مع أستراليا، التي لم تكن تاريخياً ضمن أبرز شركائها التجاريين. وتستضيف الرياض هذا الأسبوع منتدىً مشتركاً يهدف إلى ترجمة الزخم الجديد في قطاعات التعدين والتمويل إلى استثمارات ملموسة.

منتدى الرياض.. منصة لصفقات واعدة

يجمع “منتدى السعودية – أنزوك” مسؤولين من البلدين، إلى جانب ممثلين من نيوزيلندا والمملكة المتحدة، في لقاء يستمر يومين لمناقشة فرص التجارة والاستثمار. ويأتي هذا التحرك في سياق رغبة جماعية لدى الدول الأربع لتنويع قنواتها التجارية، في ظل التوترات التي تلقي بظلالها على حركة التجارة العالمية بفعل سياسات الرسوم الجمركية.

ويستند المنتدى على علاقة ناشئة اكتسبت قوة مؤخراً، بعد فوز تحالف بين شركة “هانكوك بروسبكتنغ” الأسترالية، التي تملكها سيدة الأعمال جينا راينهارت، وشركة التعدين العربية السعودية “معادن”، بحق التنقيب المشترك عن المعادن في المملكة. وتُقدّر احتياطات المملكة المعدنية بنحو 2.5 تريليون دولار، ما يفتح الباب أمام فرص هائلة في هذا القطاع.

ولم يقتصر التعاون على قطاع التعدين، حيث وقّعت شركة “ماكواري لإدارة الأصول” الأسترالية اتفاقاً مع صندوق الاستثمارات العامة السعودي، الذي تقترب أصوله من تريليون دولار، لبحث فرص استثمارية وتأسيس وجود لها في الرياض. وتعد هذه الخطوة إشارة قوية على توسع المؤسسات المالية الأسترالية نحو السوق السعودية الواعدة.

مصالح مشتركة وطموحات متبادلة

يرى سام جمشيدي، رئيس مجلس الأعمال السعودي الأسترالي، أن “العلاقة لا تزال في بدايتها، لكنها تتطور بسرعة”، مشيراً إلى اهتمام متزايد من الشركات الأسترالية بقطاعات التعدين والزراعة والرعاية الصحية. ويبدو هذا التقارب منطقياً، فكلا البلدين عضوان في مجموعة العشرين، ويركزان على الموارد الطبيعية، ويسعيان إلى تنويع الاقتصاد.

بالنسبة للسعودية، يمثل هذا التعاون أحد مرتكزات رؤية 2030، التي تهدف إلى جذب الاستثمارات والخبرات الأجنبية لبناء صناعات جديدة بعيداً عن الاعتماد على النفط. ووفقاً لخالد المديفر، نائب وزير الصناعة والثروة المعدنية، فإن الشركات الأسترالية تمثل حالياً 10% فقط من الشركات الأجنبية العاملة في استكشاف المعادن، مؤكداً أن خبرة أستراليا في هذا المجال “هي ما نحتاج إليه لبناء قدراتنا”.

في المقابل، تسعى أستراليا، رغم تنوع قاعدتها الاقتصادية، إلى تقليل اعتمادها الكبير على صادرات خام الحديد المتجهة بشكل أساسي إلى الصين. وتأتي الشراكة مع السعودية كجزء من استراتيجية أوسع لتوسيع أسواقها التصديرية، وهو ما ظهر أيضاً في اتفاق أبرمه رئيس الوزراء أنتوني ألبانيز مؤخراً مع الولايات المتحدة لتصدير المعادن الحيوية، ودخول اتفاقية التجارة الحرة مع الإمارات حيز التنفيذ.

أرقام التجارة.. نمو تدريجي وفرص كامنة

شهد حجم التجارة الثنائية بين البلدين نمواً ملحوظاً، حيث وصل إلى 2.1 مليار دولار أسترالي في السنة المالية 2024. وتُصدّر أستراليا للسوق السعودية خدمات التعليم واللحوم والشعير، بينما تعد المملكة مورداً رئيسياً للطاقة. ورغم هذا النمو، لا يزال حجم الاستثمارات المتبادلة محدوداً، وهو ما قد يتغير بعد المنتدى الحالي.

ويرى أنس اقطيط، المحاضر في الاقتصاد بالجامعة الوطنية الأسترالية، أن هناك “تكاملًا كبيرًا بين السوقين”، لكنه يشير إلى أن أياً من البلدين ليس ضمن قائمة أبرز 20 وجهة استثمارية للآخر. ويعتقد أن “منتدى السعودية – أنزوك” قد يكون نقطة انطلاق لتوقيع اتفاقات تمهد لتدفق أكبر للاستثمارات.

تقارب دبلوماسي يعزز الشراكة الاقتصادية

لا يقتصر التقارب بين الرياض وكانبرا على الجانب الاقتصادي، بل يمتد ليشمل توافقاً دبلوماسياً متزايداً. فالقرار الأسترالي الأخير بالاعتراف بدولة فلسطينية، والذي جاء مخالفاً لموقف حليفتها الرئيسية الولايات المتحدة، ينسجم مع الموقف التاريخي الذي يتبناه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

وتشير أمنة موصلي من “مركز الخليج للأبحاث” إلى أن “هذا التقارب في قضية محورية يعكس تنسيقاً دبلوماسياً متنامياً”. ويفتح هذا التوافق الباب أمام مبادرات مشتركة في مجالات الدبلوماسية وبناء السلام، مما يضيف عمقاً استراتيجياً إلى الشراكة الاقتصادية الجديدة بين البلدين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *