الست: أسطورة تتجلى في مرآة الواقع
فيلم مروان حامد يفكك قدسية أيقونة الغناء العربي ويكشف إنسانيتها المعقدة

في رحاب الفن العربي، لطالما ارتسمت السير الذاتية لشخصياته البارزة كلوحات مثالية، ترفعها إلى مصاف القداسة، بعيدًا عن وهن البشر وتقلباتهم. لكن فيلم “الست” للمخرج مروان حامد، الذي شهد عرضه العالمي الأول في الدورة الثانية والعشرين من مهرجان مراكش السينمائي، جاء ليمزق هذه الستارة الوهمية، مقدمًا رؤية جريئة تتجاوز التقديس المعتاد.
هنا، تتجلى شخصية أم كلثوم في تعقيدها البشري العميق، تتأرجح بين جبروت السيطرة وضعف الروح المنهكة. نراها سيدة قرار، قادرة على توجيه من حولها بقسوة أحيانًا، مستغلة كل طاقة لتحقيق طموحها الفني الجامح. لكن خلف هذا القناع الصلب، تختبئ روح مثقلة بآلام الفقد، بدءًا من رحيل أبيها، وصولًا إلى صدمة خسارة حبيبها، شقيق الملكة نازلي. إنها صورة لإنسانة تتنفس الفن، لكنها لا تزال تنزف من جراح الحياة.
ببراعة فنية لافتة، نسج السيناريست أحمد مراد والمخرج مروان حامد خيوط السرد، موجهين رسائل درامية ضمنية تتجاوز السطح الظاهر للقصة. لقد راهنا بوضوح على عين المشاهد الذكي، القادر على فك شفرات ما بين اللقطات، ليخلق قراءة ثانية للفيلم تتجاوز الانطباع الأول. هنا، تتكشف مفارقة مؤلمة: أم كلثوم، التي ناضلت لتحرير ذاتها من سلطوية أبيها، تتحول مع مرور الزمن إلى شخصية مهيمنة، تمارس ذات التسلط على كل من حولها. إنه تحول يعكس دورة القوة وتأثيرها على الروح البشرية.
إيقاع يتنفس الحياة
يُعد الإيقاع في “الست” نبضًا حيويًا، يتسارع لاهثًا في مشاهد القاهرة الصاخبة، حيث تهاجر أم كلثوم مع عائلتها، وفي اللحظة الافتتاحية المذهلة التي تصور سهرة مسرح الأولمبيا في باريس، تنتقل الكاميرا ببراعة بين الخارج والداخل، لتلتقط حيوية المشهد. على النقيض تمامًا، تتخذ مشاهد القرية الأولى إيقاعًا أكثر هدوءًا، ينسجم مع بطء الحياة الريفية، وكأن الفيلم يتنفس مع كل مرحلة من مراحل حياة الست.
لم يلتزم مروان حامد بالسرد الخطي التقليدي، بل اختار مسارًا متعرجًا يثري التجربة البصرية والدرامية. تنطلق الأحداث من ذروة حفلة الأولمبيا، ثم يعود بنا الزمن إلى طفولة أم كلثوم في قريتها، وهجرتها المحفوفة بالآمال إلى القاهرة. يتنقل المخرج ببراعة بين ثلاث لحظات محورية في حياة الست، مستخدمًا اللونين الأبيض والأسود في بعض اللحظات الاسترجاعية، ليضفي عليها عمقًا تاريخيًا وشعورًا بالحنين، وكأننا نشاهد ذاكرة تتكشف أمام أعيننا.
منى زكي: روح أم كلثوم
في قلب هذا العمل، يبرز أداء منى زكي كتحفة فنية حقيقية. لم تسعَ إلى تقليد أم كلثوم في حركاتها أو صوتها بشكل ميكانيكي، بل غاصت في أعماق الشخصية، مقدمة تجسيدًا داخليًا مبنيًا على الأحاسيس الصادقة. نعم، كانت هناك لمحات من التقليد في بعض مشاهد الغناء على خشبة المسرح، لكنها كانت لمسات خفيفة، تخدم الصورة العامة دون أن تطغى على جوهر الأداء. لقد شعرتُ وكأنها لم تمثل أم كلثوم، بل أصبحت هي.
لقد تفوقت منى زكي في التقاط جوهر الشخصية الإشكالية لأم كلثوم، مجسدة عنفوانها الجامح، تقلباتها النفسية الحادة، أزماتها المتتالية، مرضها الذي أنهكها، ولحظات ضعفها البشري العميق. كل هذه الحالات تطلبت منها مجهودًا تشخيصيًا مضاعفًا، غاصت فيه لتُمسك بتلابيب روح أم كلثوم المعقدة، فخرج أداؤها صادقًا ومؤثرًا، يلامس الوجدان.
أضفت كوكبة من نجوم التمثيل المصريين، بظهورهم المتقن في أدوار صغيرة، نكهة مميزة وأبعادًا إضافية للفيلم. من آسر ياسين الذي جسد الثري المستهتر الذي يهدد أم كلثوم الشابة ويطالبها بالغناء الماجن، إلى كريم عبد العزيز في دور شريف صبري باشا، العاشق الملكي الذي يقع في غرام الست. ثم يأتي أحمد حلمي بظهور خاطف ومبهج، يضفي ابتسامة على الأحداث كضابط شرطة يعشق صوتها، ويطلب منها حضور حفلها القادم في الصف الأول. ولا ننسى علي صبحي في دور اللص الذي يقتحم فيلا الست، ونيللي كريم التي تجسد الملكة نازلي، الغيورة التي تكيد لأم كلثوم في الخفاء. كل هذه اللمسات الفنية أثرت النسيج الدرامي، وجعلت الفيلم لوحة غنية بالتفاصيل الإنسانية.
وفي أدوار أوسع قليلًا، ترك كل من سيد رجب وعمرو سعد وأحمد أمين بصمات لا تُمحى. بأدائهم المتميز، أضفوا على الشخصيات التي جسدوها عمقًا وصدقًا، ما كان ليتحقق بنفس القيمة لو أسندت هذه الأدوار لممثلين آخرين. لقد كانت اختيارات موفقة، أثرت التجربة البصرية والدرامية، وأكدت على قوة الفيلم في استقطاب المواهب.
لحظات من رماد النهوض
يتخلل الفيلم مشاهد أساسية مؤثرة، لا تدع المشاهد يبقى محايدًا أمامها. إنها تلك اللحظات التي تتجلى فيها أم كلثوم في أقصى درجات ضعفها وهزيمتها، تكاد تستسلم لليأس، ثم يشتعل شرارة ما بداخلها، أو يأتي إيعاز خارجي، فترتفع من رمادها كل مرة، بعد أن تكون قد احترقت بشكل شبه كلي. وكأنها تعيش حيوات متعددة، تتجدد في كل مرة، لتؤكد على مرونتها الأسطورية.
من بين هذه المشاهد الخالدة، لحظة ظهورها بعد اندلاع ثورة الضباط الأحرار، حيث كادت تقتنع بأنها أصبحت محسوبة على العهد البائد. بدأت الصحف تهاجمها، وتوقفت أغانيها عن الإذاعة، شعرها تساقط، وتوقفت عن العمل لفترة. لكن معجزة فنية تقع، تعيدها إلى الواجهة: جمال عبد الناصر، نائب الرئيس آنذاك، كان يحب أغانيها. فجاء الأمر بأن تستعد لحفلة بأغنية جديدة، لتعود الست إلى عرشها، وتستمر الحكاية، مؤكدة أن الفن يتجاوز السياسة أحيانًا.
رؤية حداثية تتجاوز المقارنات
لطالما تناولت أعمال فنية سيرة أم كلثوم، منها ما هو وثائقي، وأشهرها دراما تلفزيونية للمخرجة إنعام محمد علي، وفيلم للمخرج محمد فاضل. لكن هل تستقيم المقارنة لو وضعنا “الست” في كفة وأحد هذين العملين في الكفة الأخرى؟ أرى أننا أمام عمل مصنوع برؤية متجددة وحداثية، تضع نصب عينيها المتلقي الجديد، جيل الشباب الذي لا يطيق الصمود أمام إيقاع بطيء. لذا، جاء هذا الفيلم سريعًا في نبضه، واضعًا في تصوره الجمهور المحتمل الذي سيتوجه إليه، ليقدم تجربة سينمائية معاصرة، تليق بعظمة الست في عصرنا الحالي، وتؤكد على استمرارية تأثيرها الذي يتجاوز الأجيال، [كما يتضح في تحليلات متعددة لتأثيرها الثقافي والفني](https://www.aljazeera.net/news/cultureandart/2017/2/3/%D8%A3%D9%85-%D9%83%D9%84%D8%AB%D9%88%D9%85-%D8%A3%D9%8A%D9%82%D9%88%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%A9).
لمسة نسوية جريئة
لا يمكن لعين المشاهد الذكي أن تخطئ اللمحة النسوية الجريئة التي يطرحها فيلم “الست”. هنا، أم كلثوم ليست مجرد صوت، بل هي امرأة متحررة، ترفض الخضوع للسيطرة، وتتعامل مع الرجال بندية تامة، بل وتتجاوز ذلك أحيانًا لتسيطر عليهم. تبدأ رحلتها بالتحرر من سلطة أبيها، الذي أدرك في لحظة حاسمة أن زمن تسيره لشؤونها قد ولى، ليعود إلى بلدته. أما علاقاتها بمن أحبوها، فقد كانت دائمًا في صالحها، إذ استطاعت أن تُدجِّن عمالقة مثل أحمد رامي والقصبجي، ليظلا في خدمتها دون أن ينالا الرضا الكامل بالزواج منها. وحتى هزيمتها الوحيدة في الحب، التي نتابعها بمرارة في الفيلم، جاءت الضربة القاضية فيها من امرأة أخرى: الملكة نازلي، التي رفضت زواج أخيها من أم كلثوم. إنها صورة لامرأة سبقت عصرها، تحدت الأعراف، وكتبت قصة نجاحها بشروطها الخاصة.








