الرقابة المالية تضع حداً لـ«شكاوى التأمين».. قرار جديد يعيد ترتيب علاقة العميل بالشركات
وداعاً للإعلانات المضللة والخصومات المفاجئة.. كيف يحميك القرار الجديد من ممارسات شركات التأمين؟

في خطوة تهدف إلى إعادة ضبط العلاقة بين المتعاملين وشركات التأمين، أصدرت الهيئة العامة للرقابة المالية قراراً جديداً يرسم ملامح مرحلة مختلفة في التعامل مع شكاوى التأمين، ويضع حداً للممارسات التي طالما أثارت استياء العملاء في السوق المصري.
القرار الذي حمل رقم 77 لسنة 2025، لا يمثل مجرد تحديث إجرائي، بل هو إطار تنظيمي متكامل يسعى لتعزيز حماية حقوق العملاء، ورفع مستويات الشفافية والحوكمة، بما يدعم الثقة في قطاع حيوي يمثل أحد أعمدة تحقيق الشمول التأميني والمالي في البلاد.
مظلة رقابية شاملة
لم يترك القرار الجديد أي نشاط مرتبط بالتأمين خارج نطاق تطبيقه، حيث امتدت مظلته لتشمل كافة أنواع الشركات العاملة في سوق التأمين المصري، من التأمين التجاري والتكافلي، مروراً بالتأمين الطبي ومتناهي الصغر، وصولاً إلى صناديق التأمين الحكومية والخاصة.
كما شمل القرار المهن والأنشطة المكملة للعملية التأمينية، مثل شركات الخبرة الاكتوارية، والاستشارات، وشركات المعاينة وتقدير الأضرار، ووسطاء التأمين وإعادة التأمين. هذا التوسع يضمن أن تكون سلسلة تقديم الخدمة للعميل خاضعة بالكامل لمعايير واضحة وموحدة، ويغلق الباب أمام أي ثغرات قد تستغلها بعض الجهات.
شفافية إلزامية ولغة مبسطة
ألزم القرار جميع الجهات بتطبيق معايير صارمة للإفصاح والشفافية عند عرض منتجاتها، مع التشديد على استخدام لغة واضحة ومبسطة يفهمها المواطن العادي. كما أوجب تقديم شروحات كاملة للمصطلحات الفنية المعقدة، ومنع بشكل قاطع أي إعلانات مضللة أو معلومات غير دقيقة قد تؤثر على قرار العميل.
ولضمان وصول المعلومة، نص القرار على ضرورة إعداد كتيبات وملخصات ومواد مرئية توضح المنتجات بشكل مبسط، وهو ما يعكس تحولاً في فلسفة الرقابة من مجرد تنظيم العلاقة التعاقدية إلى ضمان فهم حقيقي من جانب العميل لحقوقه والتزاماته قبل التوقيع.
قراءة في دوافع القرار وتأثيراته
يأتي هذا التحرك في وقت تتزايد فيه أهمية قطاع التأمين كأداة لإدارة المخاطر وتحقيق الاستقرار المالي للأفراد والشركات. القرار ليس مجرد استجابة لعدد متزايد من شكاوى التأمين، بل هو خطوة استباقية تهدف إلى بناء علاقة ثقة مستدامة، وهو ما يعد شرطاً أساسياً لنمو القطاع وزيادة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي.
إن إلزام الشركات بإنشاء إدارة متخصصة للشكاوى، ومنحها صلاحيات الدراسة والمعالجة قبل التصعيد للهيئة، يمثل نقلة نوعية في ثقافة التعامل مع العميل. فهو يحول الشكوى من عبء إداري إلى فرصة لتحسين الخدمة، ويجبر الشركات على النظر إلى العميل كشريك وليس مجرد رقم في وثيقة تأمين. هذا التوجه يعزز من قدرة السوق على تصحيح نفسه ذاتياً ويقلل من الحاجة للتدخل الرقابي المباشر في كل نزاع.
آليات تنفيذ وضمانات جديدة
لضمان التطبيق الفعلي، وضع القرار آليات واضحة، تبدأ بتسليم وثائق التأمين فور إبرامها، وتنظيم إدارة حسابات العملاء، ومنع الخصم من أرصدة الوثائق الاستثمارية دون موافقة صريحة. كما ألزم الشركات بالاحتفاظ بسجل كامل للشكاوى وتقديم تقارير دورية للهيئة، مما يسمح للجهة الرقابية برصد الأنماط المتكررة للمشكلات واتخاذ إجراءات تصحيحية على مستوى القطاع ككل.
ولحسم النزاعات التي تفشل الشركات في حلها، استحدث القرار لجنة متخصصة داخل الهيئة، برئاسة نائب رئيس الهيئة وعضوية خبراء، تتولى الفصل في المنازعات بشكل نهائي خلال 30 يوماً. هذه اللجنة تمثل شبكة أمان أخيرة للعميل، وتضمن سرعة البت في النزاعات، وهو ما يعزز من جاذبية سوق التأمين المصري للمواطنين والمستثمرين على حد سواء.









