اقتصاد

الذهب يحلّق.. لماذا يرفض وارن بافيت الاحتفال؟

مع صعود الذهب بنسبة 50%، تتغير قواعد الاستثمار، لكن المستثمر الأسطوري وارن بافيت يتمسك برأيه: المعدن الأصفر أصل غير منتج

في ظاهرة لافتة، يواصل سعر الذهب تحطيم الأرقام القياسية في الأسواق العالمية، متحديًا قواعد الاستثمار التقليدية. لكن وسط هذا الصعود القوي، يغيب صوت استثماري هو الأبرز عالميًا، ليطرح سؤالًا جوهريًا حول القيمة الحقيقية للمعدن النفيس.

رالي تاريخي في أسواق هادئة

بعد تجاوز أونصة الذهب حاجز 4300 دولار، وتسجيل قفزة تتجاوز 50% منذ بداية العام، يقف المعدن الأصفر على أعتاب مضاعفة قيمته مقارنة بالعام الماضي. هذا الأداء، الذي يعد الأقوى منذ الأزمة المالية العالمية في 2008، يأتي في سياق غير معتاد، حيث تشهد أسواق الأسهم استقرارًا نسبيًا، مما يثير تساؤلات حول الدوافع الحقيقية وراء هذا الإقبال الكثيف.

على عكس الماضي، لم يعد صعود الذهب مرتبطًا بشكل حصري بانهيار اقتصادي أو تهاوي أسواق الأسهم. فقد تفوق أداؤه هذا العام وبسهولة على مؤشر S&P 500، مما يشير إلى تحول في قناعات المستثمرين الذين يبحثون عن ملاذ آمن في بيئة اقتصادية تتغير معالمها بسرعة، مدفوعة بمخاوف أعمق من مجرد تقلبات السوق اليومية.

قواعد جديدة للمحافظ الاستثمارية

دفعت هذه المعطيات الجديدة خبراء استراتيجيين في وول ستريت إلى إعادة النظر في الهياكل التقليدية للمحافظ الاستثمارية. ومع تزايد شعبية صناديق المؤشرات المتداولة التي تسهل الاستثمار في الذهب، بدأت تظهر نماذج توزيع أصول مبتكرة، تقترح تخصيص 20% للذهب والبيتكوين، إلى جانب 60% للأسهم و20% للسندات، كبديل عن نموذج 60/40 الكلاسيكي.

يأتي هذا التحول في ظل تراجع دور السندات كأداة تحوط فعالة، حيث أصبحت تتحرك بشكل متزامن مع الأسهم في أحيان كثيرة. فمع تحديات مثل التضخم المستمر، وتصاعد المخاطر الجيوسياسية، وارتفاع مستويات الدين العام، فقدت السندات جزءًا من جاذبيتها، ما فتح الباب أمام أسعار الذهب لاستعادة مكانتها كركيزة أساسية في أي محفظة متوازنة.

رؤية بافيت.. المعدن الذي لا ينتج شيئًا

وسط هذا الاحتفاء بالمعدن الأصفر، يبرز صوت نشاز يعود للمستثمر الأسطوري وارن بافيت، البالغ من العمر 95 عامًا. فلطالما عُرف رئيس مجلس إدارة شركة بيركشاير هاثاواي بانتقاداته اللاذعة لفكرة الاستثمار في الذهب، معتبرًا إياه أصلًا “غير منتج” لا يدر أي عائد حقيقي على المدى الطويل، حتى وإن حقق مكاسب سعرية مؤقتة.

في رؤيته التي طرحها عام 2011، وصف بافيت الذهب بأنه “كتلة صلبة لا تفعل شيئًا”، موضحًا أن الاستثمار فيه يعتمد كليًا على نظرية “الأحمق الأكبر”، أي أنك تشتريه على أمل أن تجد شخصًا آخر على استعداد لشرائه منك بسعر أعلى في المستقبل. بالنسبة له، هذا السلوك هو مضاربة بحتة وليس استثمارًا قائمًا على قيمة جوهرية.

بين المضاربة والاستثمار الحقيقي

يفضل وارن بافيت ما يسميه الأصول المنتجة، مثل الشركات والمزارع والعقارات، التي يمكن تقييمها بناءً على قدرتها على توليد أرباح أو منتجات ملموسة. ويرى أن الحماس الذي يحيط بارتفاع سعر أصل ما لا يجعله استثمارًا جيدًا، فالتعلق بما يرتفع ثمنه لمجرد أنه يرتفع ليس استراتيجية لبناء ثروة مستدامة.

وكان شريكه الراحل، تشارلي مونجر، يشاركه الرأي ذاته، حيث وصف الاستثمار في الذهب بأنه “تصرف غريب”، لأنه لا يحقق ربحًا إلا في سيناريو واحد، وهو “انهيار العالم”. هذه الفلسفة تضع المستثمرين اليوم أمام مفترق طرق: إما الرهان على الذهب كدرع في مواجهة عالم مضطرب، أو التمسك بمبادئ الاستثمار في القيمة التي بنى عليها بافيت إمبراطوريته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *