اقتصاد

البنك المركزي المصري يقلب دفة السياسة النقدية: خفض الفائدة يدعم النمو الاقتصادي

المركزي المصري يخفض الفائدة 725 نقطة أساس في 2025.. هل يعيد تنشيط الاقتصاد؟

شهد عام 2025 تحولاً محورياً في السياسة النقدية للبنك المركزي المصري، مع إقراره خفضاً لأسعار الفائدة بلغ إجماليه 725 نقطة أساس، منهياً بذلك سنوات من التشدد لمواجهة التضخم. هذا التغيير لا يقتصر على تقليص تكلفة الاقتراض، بل يمثل نقطة انطلاق لإعادة تنشيط الاقتصاد وتحفيز الاستثمار خلال عامي 2026 و2027.

جاء الخفض الأخير، الذي أقره البنك في ديسمبر الماضي ضمن ثامن اجتماع للجنة السياسة النقدية، ليخفض سعر الفائدة إلى 20% للإيداع و21% للإقراض، وهو الخفض الخامس خلال عام واحد. تزامن هذا التوجه التيسيري مع تراجع التضخم السنوي إلى 12.3% في نوفمبر، مقارنة بـ12.5% في أكتوبر.

يساهم خفض الفائدة عادة في تقليص تكلفة الاقتراض، مما يسهل على الأفراد والشركات الحصول على التمويل، ويمنح الأخيرة مساحة أكبر للتوسع والنمو، الأمر الذي قد ينعكس إيجاباً على سوق العمل. بالمقابل، يتأثر جانب الادخار لدى المواطنين، حيث تتراجع عوائد الودائع والشهادات، ما يدفعهم للبحث عن بدائل استثمارية ذات عوائد أفضل.

مستويات غير مسبوقة من التوازن الخارجي

يرى هاني جنينة، رئيس قطاع البحوث في “الأهلي فاروس”، أن خفض الفائدة جاء مدفوعاً بتحول هيكلي في ميزان المدفوعات. فقد ساهمت تحويلات المصريين بالخارج وإيرادات السياحة في تحقيق فائض يكاد يغطي العجز في الميزان السلعي، حتى دون احتساب إيرادات قناة السويس.

مع تراجع الضغوط على العملة وتحسن الإيرادات الأجنبية، أصبح بإمكان المركزي الانتقال من أولوية كبح التضخم إلى تحفيز النمو، مع توقعات باستمرار دورة الخفض، لا سيما في النصف الثاني من 2026، وفق جنينة.

تحفيز الاقتراض الخاص ونمو سوق المال

بحسب سارة سعادة، محلل الاقتصاد الكلي في “سي آي كابيتال”، فإن خفض الفائدة بأكثر من 700 نقطة خلال عام واحد شكل تحولاً في سلوك الشركات تجاه الاقتراض، ما يمهد لتسارع نمو الائتمان، خصوصاً للقطاع الخاص.

وأكدت أن البنك المركزي يسعى لخلق توازن دقيق بين دعم النشاط الاقتصادي والحفاظ على المسار النزولي للأسعار، مع ترجيحات باستمرار الخفض بنحو 500 نقطة أساس إضافية خلال العام المقبل.

تدعم هذه الرؤية توقعات شركة “إى أف جى” القابضة الصادرة في تقريرها السنوي، بأن السوق المصرية ستشهد نمواً خلال العام المقبل على الائتمان بواقع 25% بدعم من انخفاض أسعار الفائدة.

وفي هذا السياق، يرى محمد عبد العال، الخبير المصرفي، أن البورصة هي المستفيد الأكبر من القرار، إذ أن تراجع العوائد على أدوات الدين سيدفع المستثمرين نحو الأسهم، ما يعزز جاذبية السوق ويدعم خطط التوسع لدى الشركات والمصنعين.

وأضاف أن انخفاض تكلفة التمويل يتيح للمستثمرين والمصنعين إعادة ترتيب خططهم التوسعية، بما يدعم تحقيق معدلات نمو تقترب من 5% خلال العام المالي الحالي المنتهي في يونيو 2026، كما يسهم أيضاً في تقليص تكلفة المنتج النهائي، باعتبار سعر الفائدة أحد مكوناته الرئيسية.

فوائد مباشرة على الموازنة وتكلفة الدين

ينعكس خفض أسعار الفائدة أيضاً على المالية العامة، حيث تشير التقديرات إلى أن كل خفض بواقع 1% يقلص عبء الموازنة بما يتراوح بين 75 إلى 80 مليار جنيه، ما يتيح للحكومة مرونة مالية أكبر لإعادة توجيه الموارد نحو برامج الحماية الاجتماعية وتحسين الخدمات، بحسب عبد العال.

كما يرى أن استمرار ارتفاع العائد الحقيقي على الجنيه حافظ على جاذبية أدوات الدين المحلي أمام المستثمرين الأجانب، خاصة مع تراجع المخاطر المرتبطة بالديون السيادية.

المركزي يراهن على استدامة التراجع في التضخم

يستهدف المركزي المصري معدلاً للتضخم بين 5% و9% في الربع الرابع من 2026، وبين 3% و7% بحلول نهاية 2028، بينما يبلغ سعر الفائدة الحقيقي حالياً نحو 7.5%. وتؤكد تقديرات صندوق النقد الدولي أن دورة التيسير بحاجة إلى إدارة حذرة، في ظل استمرار الضغوط السعرية الشهرية.

وتحسن سعر صرف الجنيه مقابل الدولار خلال الأشهر الستة الأخيرة، مدفوعاً بتدفقات نقد أجنبي قوية وارتفاع إيرادات السياحة بنسبة 56% هذا العام إلى نحو 24 مليار دولار.

كما ساعد خفض مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي للفائدة على تخفيف الضغوط عن الجنيه، وزيادة جاذبية أدوات الدين المحلية أمام المستثمرين الدوليين.

رسائل طمأنة للمستثمرين والأسواق

يرى مصطفى شفيع، رئيس قسم البحوث في “عربية أون لاين”، أن خفض الفائدة جاء في سياق تهدئة نسبية داخلياً وخارجياً، ويمثل إشارة اطمئنان للمستثمرين الأجانب على استقرار السياسة النقدية، لا سيما في القطاعات الحساسة للفائدة مثل الصناعة والعقارات.

ماذا يعني خفض الفائدة للاقتصاد والمواطن؟

للمواطن:

  • انخفاض تكلفة الاقتراض: القروض الشخصية والعقارية تصبح أرخص، ما يعني قدرة أكبر على تلبية احتياجات استهلاكية أو سكنية.
  • انخفاض عوائد الادخار: من يودع أمواله في البنوك سيواجه تراجعاً في العوائد، مما يدفعه للبحث عن بدائل استثمارية، مثل الذهب أو البورصة.
  • فرص عمل محتملة: زيادة الاقتراض للشركات تعني توسعاً في الأنشطة وفتح وظائف جديدة.

للاقتصاد:

  • تحفيز النمو والاستثمار: خفض الفائدة يخفض تكلفة التمويل للشركات، ما يشجع على ضخ استثمارات جديدة وتوسعات إنتاجية، خصوصاً في القطاعات الصناعية والعقارية.
  • نشاط أكبر في سوق المال: تراجع العائد البنكي يدفع السيولة نحو البورصة، ما يعزز قيم الأسهم ويساعد في تمويل الشركات.
  • تخفيف عبء الموازنة: كل خفض للفائدة بنسبة 1% يوفر 75 إلى 80 مليار جنيه من خدمة الدين العام، ما يتيح إعادة توجيه الموارد إلى برامج اجتماعية أو تنموية.

المشهد الكلي:

  • التضخم في مسار هبوطي: الخفض يعكس ثقة المركزي في تراجع الضغوط التضخمية وهو أمر أساسي في دورة التيسير النقدي.
  • استقرار النقد الأجنبي: دعم متزايد من السياحة والتحويلات وتدفقات أدوات الدين بعد تحرير سعر الصرف، ما أعطى المركزي مرونة أكبر للتحرك.

مقالات ذات صلة