البنك الدولي يرفع توقعاته لنمو الشرق الأوسط.. والخليج ومصر في الصدارة

في شهادة دولية جديدة تعكس مرونة اقتصادات المنطقة وقدرتها على التكيف، رفع البنك الدولي توقعاته لنمو منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى 2.8% في عام 2025. هذه النظرة المتفائلة تأتي مدفوعة بزخم مزدوج، يتمثل في العودة التدريجية لإمدادات نفط “أوبك+” إلى الأسواق، والنمو القوي للأنشطة غير النفطية، خاصة في دول الخليج، التي باتت قاطرة النمو الإقليمي.
التقرير الصادر بعنوان “العمل والنساء: المواهب غير المستغلة والنمو غير المحقق”، لا يتوقف عند حدود 2025، بل يمتد بتوقعاته الإيجابية إلى عام 2026، متوقعاً نمواً يصل إلى 3.3%. ورغم أن هذا الرقم يمثل خفضاً طفيفاً عن تقديرات سابقة، إلا أنه يؤكد على مسار التعافي المستدام الذي تسير فيه المنطقة وسط بيئة عالمية مليئة بالتحديات.
محركات خليجية.. النفط وغير النفط يقودان قاطرة النمو
تقود دول الخليج هذا الزخم الإيجابي بثقة. فمن المتوقع أن يسجل اقتصاد السعودية، الأكبر عربياً، نمواً لافتاً بنسبة 3.2% في 2025، مدعوماً بزيادة إنتاج النفط ونشاط قوي في قطاعات واعدة مثل الخدمات. يأتي هذا في وقت يواصل فيه تحالف “أوبك+” سياسته الحذرة لإعادة الإمدادات للسوق، حيث وافق مؤخراً على زيادة إضافية تبلغ 137 ألف برميل يومياً بدءاً من نوفمبر القادم.
على الجانب الآخر، تحافظ الإمارات على وتيرة نمو مستقرة ومبهرة، حيث يتوقع البنك الدولي أن يتوسع اقتصادها بنسبة 4.8% في 2025. وتلعب قطاعات الخدمات المالية والتشييد والنقل والعقارات دوراً محورياً في هذه القصة، مما يعكس نجاح استراتيجيات تنويع الاقتصاد بعيداً عن الاعتماد الكلي على النفط.
مصر تجني ثمار الإصلاح.. شهادة دولية في توقيت حاسم
وفي القاهرة، تبدو الصورة أكثر إشراقاً. أبدى البنك الدولي تفاؤلاً ملحوظاً بأداء اقتصاد مصر، متوقعاً نمواً بنسبة 4.5% في السنة المالية 2024-2025. هذه التوقعات الإيجابية لم تأت من فراغ، بل هي أولى ثمار برنامج الإصلاح الاقتصادي الجريء الذي تنفذه الحكومة بالتعاون مع صندوق النقد الدولي.
وأشار التقرير إلى أن إجراءات حاسمة مثل تحرير سعر الصرف، وضبط الاستثمارات العامة، وترشيد الدعم، بدأت تؤتي أكلها. كما ساهمت زيادة الصادرات وانتعاش الاستثمارات الخاصة، ومنها المشروعات الإماراتية الكبرى، في الحفاظ على مسار النمو، الذي يتوقع البنك أن يبلغ متوسطه 4.6% حتى عام 2027، في شهادة ثقة دولية تأتي في توقيت حاسم.
كنز مدفون.. كيف يعطل غياب المرأة مسيرة اقتصادات المنطقة؟
لكن وسط هذه الأرقام المبشرة، يلقي التقرير الضوء على جرح هيكلي غائر، وهو الفجوة الهائلة في مشاركة المرأة في سوق العمل، والتي تعد الأكبر عالمياً. فالبيانات تكشف حقيقة صادمة: واحدة فقط من كل خمس نساء تشارك في القوى العاملة بالمنطقة، وهو أدنى معدل في العالم، مما يمثل إهداراً هائلاً لمواهب وإمكانات غير مستغلة.
ويؤكد البنك الدولي أن تمكين المرأة ليس مجرد قضية حقوقية، بل هو ضرورة اقتصادية ملحة. فإزالة العوائق أمام مشاركتها الكاملة يمكن أن يعزز نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسب تتراوح بين 20% و30% في دول مثل مصر والأردن، وهو ما يمثل دفعة اقتصادية لا يمكن تجاهلها.
مخاطر تلوح في الأفق.. ضبابية عالمية وتقلبات النفط
رغم التفاؤل الحذر، لا يغفل التقرير المخاطر التي تلوح في الأفق. فالضبابية التي تحيط بالاقتصاد العالمي، والتوترات التجارية، يمكن أن تلقي بظلالها على المنطقة. لكن التحدي الأكبر يظل في تقلبات أسعار النفط، التي انخفضت مؤخراً لأدنى مستوياتها في أربعة أشهر، مما يذكرنا بأن الطريق نحو النمو المستدام لا يزال يتطلب الحذر والتخطيط الاستراتيجي لمواجهة أي صدمات مستقبلية.









