الاقتصاد الأمريكي يتأهب لقفزة: هل حان وقت الأسهم الدورية؟
توقعات بتسارع النمو وخفض الفائدة تدفع المستثمرين نحو القطاعات المرتبطة بالدورة الاقتصادية.

تتجه الأنظار نحو تسارع محتمل في وتيرة نمو الاقتصاد الأمريكي، مدعومًا بتراجع أسعار النفط وتوقعات بخفض وشيك لأسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي في ظل انحسار التضخم.
وفي خضم هذا المشهد، يبحث المستثمرون النشطون عن بدائل استثمارية خارج أسهم الذكاء الاصطناعي، بينما يواصل المستهلك الأمريكي إنفاقه بوتيرة قوية. هذه العوامل مجتمعةً ترسم صورة مثالية تقريبًا لأسهم الشركات المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالدورة الاقتصادية.
شركات مرشحة لأداء جيد في 2026
ويرى استراتيجيون ومحللون أن شركات مثل “جيه بي مورغان تشيس” في القطاع المصرفي، و”كاتربيلر” لتصنيع المعدات، بالإضافة إلى عمالقة تجارة التجزئة “غاب” (Gap) و”دولار تري” (Dollar Tree)، مرشحة لتحقيق أداء قوي في عام 2026.
وفي هذا السياق، صرح مايكل كانتروفيتز، كبير استراتيجيي الاستثمار ورئيس استراتيجية المحافظ في “بايبر ساندلر” (Piper Sandler)، بأن “المستثمرين بدأوا يلمسون مؤشرات تحسن في القطاعات المرتبطة بقوة بالدورة الاقتصادية”.
ويشير هذا إلى أن القطاعات المالية والصناعية، إلى جانب شركات السلع الاستهلاكية غير الأساسية، ستتصدر قائمة المستفيدين من توقعات “وول ستريت” بعام قوي آخر للأسهم الأمريكية.
توقعات نمو الاقتصاد الأميركي
كشف استطلاع أجرته “بلومبرغ” وشمل 72 خبيرًا اقتصاديًا، أن متوسط نمو الاقتصاد الأمريكي قد يصل إلى 2% العام المقبل. ورغم أن هذا المستوى لا يمثل طفرة استثنائية، إلا أنه يعتبر قويًا بما يكفي لدفع المكاسب في قطاعات تتجاوز التكنولوجيا.
وأكد كانتروفيتز على ضرورة أن يستعد مديرو الاستثمار للاستثمار في الشركات التي يُتوقع أن تشهد أرباحها تحسنًا تدريجيًا العام المقبل. وأضاف: “نتوقع تحسن البيانات المرتبطة بالدورة الاقتصادية، مما سيقود أسهم القيمة لتتفوق على الأسهم الأخرى للمرة الأولى منذ فترة طويلة”.
بدأت بالفعل ملامح تحول في مسار الاستثمارات بين القطاعات. فبعد أن سارت سلة الأسهم المتأثرة بالدورة الاقتصادية، والتي اختارها بنك “غولدمان ساكس”، بشكل متوازٍ مع مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” طوال العام، سجلت ارتفاعًا ملحوظًا بنسبة 9.3% خلال الشهر الماضي.
ويفوق هذا الارتفاع ضعف وتيرة صعود السوق الأوسع، الذي شهد مؤشر “إس آند بي 500” فيه نموًا بنسبة 4.2%.
تفوق الأسهم الدورية على الدفاعية
إضافة إلى ذلك، حققت الأسهم الدورية تفوقًا على نظيرتها الدفاعية، التي كانت المستفيد الأكبر من التحول الجزئي في الاستثمارات بعيدًا عن أسهم قطاع تكنولوجيا المعلومات خلال شهري أكتوبر ونوفمبر.
وفي سياق متصل، سجلت سلة أخرى من اختيار “غولدمان ساكس”، تركز على الأسهم الدورية خارج قطاع السلع الأساسية وتتضمن بيعًا على المكشوف للأسهم الدفاعية، ارتفاعًا بنسبة 10% في الشهر الماضي.
وفي مذكرة بحثية لعملائه، أشار سام ستوفال، كبير استراتيجيي الاستثمار في “سي إف آر إيه” (CFRA)، إلى أن “الاتجاه نحو شراء الأسهم الدورية غير التكنولوجية يعكس توقعات إيجابية بشأن التوسع الاقتصادي”.
وتتوقع شركته نموًا في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 2.5% في عام 2026، “مدعومًا بارتفاع مبيعات التجزئة بنسبة 4.1% وتراجع مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي إلى 2.4%”.
الأسهم الدورية رابحة على المدى الطويل
من جانبها، تتوقع مؤسسات أخرى في “وول ستريت” أن تظل الأسهم الدورية رابحة على المدى الطويل في عام 2026. وفي هذا الصدد، أفاد دينيس ديبوشير، المؤسس وكبير استراتيجيي السوق لدى “22 في ريسرتش” (22V Research)، بأن “الاستثمارات المرتبطة بالدورة الاقتصادية يُتوقع أن تحدث تأثيرًا مستمرًا لأكثر من ثلاثة إلى ستة أشهر”. ويفضل ديبوشير تطبيق هذه الاستراتيجية عبر الرهان على صعود أسهم البنوك وتجارة التجزئة، مقابل الرهان على هبوط أسهم السلع الاستهلاكية الأساسية، بالإضافة إلى شراء أسهم قطاع النقل باستثناء شركات الطيران.
وتتعزز هذه الرؤية الاستثمارية في الأسهم الدورية بصعود مؤشر “داو جونز للنقل”، الذي سجل ارتفاعًا بنسبة 10% خلال الشهر الماضي. وبعد فترة طويلة من الأداء المتواضع، بات المؤشر على بُعد 0.4% فقط من تحقيق أعلى مستوى قياسي له منذ نوفمبر 2024.
وفي “يو إس بنك”، يوصي توم هاينلين، الاستراتيجي المسؤول عن التوصيات والاستراتيجيات الاستثمارية على مستوى البلاد، عملاءه بزيادة حصة الأسهم الدورية المتنوعة ضمن محافظهم الاستثمارية.
وأوضح هاينلين في اتصال هاتفي: “نسعى لزيادة التعرض للأسهم الدورية، ولكن ليس على حساب بيع أسهم التكنولوجيا”. وأشار إلى توقعاته بأن تواصل أسهم شركات التكنولوجيا قيادة نمو الأرباح العام المقبل، تتبعها أسهم قطاعي المواد والصناعات.
توصيات “سيتي” للأسهم الدورية والصناعية
وفي مذكرة بحثية صدرت في 15 ديسمبر، أفاد استراتيجيون من “سيتي” بقيادة آدم بيكيت، بأن الأسهم الدورية مرشحة للتفوق على الأسهم الدفاعية. وعليه، يوصون المستثمرين بزيادة الوزن النسبي لأسهم القطاع المالي، الذي يعتبر الخيار المفضل للبنك ضمن القطاعات الدورية، مع تقليل الوزن النسبي لأسهم السلع الأساسية. وأضاف بيكيت: “الأسهم الصناعية مؤهلة أيضًا للترقية في التوصية”.
ولكن بيكيت نبه إلى تحدٍ محتمل قد يواجه صعود الأسهم الدورية في عام 2026، وهو تسارع الاقتصاد بوتيرة قد تؤدي إلى تأجيل خفض أسعار الفائدة المتوقع، أو حتى عكس اتجاهها. وأكد أن استمرار الاحتياطي الفيدرالي في خفض الفائدة حتى نهاية 2026 “ليس أمرًا مؤكدًا على الإطلاق”. وتُظهر بيانات جمعتها بلومبرغ أن الأسواق تسعر حاليًا خفض أسعار الفائدة مرتين خلال عام 2026.
توقعات “الفيدرالي”
من جانبه، يتوقع مجلس الاحتياطي الفيدرالي نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.3% خلال عام 2026، وهو ما يمثل ارتفاعًا عن توقعاته السابقة التي بلغت 1.8% في سبتمبر الماضي.
وفي مذكرة بحثية موجهة للعملاء، ذكر مايكل ديكسون، رئيس الأبحاث والاستراتيجية الكمية لدى “هوريزون إنفستمنتس”، أن الاقتصاد الأمريكي الذي ينمو بوتيرة أسرع “سيحقق فائدة خاصة للشركات والقطاعات الدورية، التي تتأثر أرباحها بشكل مباشر بمستويات النشاط الاقتصادي”.









